زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ وفي سبب نزولها قولان :
أحدهما : أن المنافقين كانوا يقولون : لمحمد قلبان، قلب معنا، وقلب مع أصحابه، فأكذبهم الله تعالى، ونزلت هذه الآية، قاله ابن عباس.
والثاني : أنها نزلت في جميل بن معمر الفهري كذا نسبه جماعة من المفسرين. وقال الفراء : جميل بن أسد، ويكنى : أبا معمر. وقال مقاتل : أبو معمر ابن أنس الفهري- وكان لبيبا حافظا لما سمع، فقالت قريش : ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان في جوفه، وكان يقول : إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم يومئذ جميل بن معمر، تلقاه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له : ما حال الناس ؟ فقال : انهزموا، قال : فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك ؟ قال : ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده ؛ وهذا قول جماعة من المفسرين. وقد قال الزهري في هذا قولا عجيبا، قال : بلغنا أن ذلك في زيد بن حارثة ضرب له مثل يقول : ليس ابن رجل آخر ابنك. قال الأخفش :" من " زائدة في قوله :﴿مّن قَلْبَيْنِ﴾. قال الزجاج : أكذب الله عز وجل هذا الرجل الذي قال : لي قلبان، ثم قرر بهذا الكلام ما يقوله المشركون وغيرهم مما لا حقيقة له، فقال :﴿وَمَا جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ فأعلم الله تعالى أن الزوجة لا تكون أما، وكانت الجاهلية تطلقِّ بهذا الكلام، وهو أن يقول لها : أنت علي كظهر أمي، وكذلك قوله :﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ﴾ أي ما جعل من تدعونه ابنا وليس بولد في الحقيقة ابنا ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْواهِكُمْ﴾ أي : نسب من لا حقيقة لنسبة قول بالفم لا حقيقة تحته ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ أي : لا يجعل غير الابن ابناً ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أي للسبيل المستقيم. وذكر المفسرون : أن قوله :﴿وَمَا جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾ نزلت في أوس بن الصامت وامرأته خولة بنت ثعلبة.
ومعنى الكلام : ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن كأمهاتكم في التحريم، إنما قولكم معصية، وفيه كفارة، وأزواجكم لكم حلال ؛ وسنشرح هذا في سورة المجادلة إن شاء الله. وذكروا أن قوله :﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ﴾ نزل في زيد بن حارثة، أعتقه رسول الله ﷺ وتبناه قبل الوحي، فلما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش قال اليهود والمنافقون : تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها، فنزلت هذه الآية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى