تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
قال البخاري : قال أبو العالية : صلاة الله : ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة : الدعاء. وقال ابن عباس : يصلون : يبرِّكون. هكذا علقه البخاري عنهما(١).
وقد رواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية كذلك. وروي مثله عن الربيع أيضا. وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس كما قاله سواء، رواهما ابن أبي حاتم.
وقال أبو عيسى الترمذي : وروي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا : صلاة الرب : الرحمة، وصلاة الملائكة : الاستغفار.
ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو الأوْديّ، حدثنا وَكِيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، قال الأعمش عن عطاء(٢) بن أبي رباح ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال : صلاته تبارك وتعالى : سُبّوح قدوس، سبقت رحمتي غضبي.
والمقصود من هذه الآية : أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه. ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا.
وقد قال(٣) ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر - يعني : ابن المغيرة - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام : هل يصلي ربك ؟ فناداه ربه : يا موسى، سألوك :" هل يصلي ربك ؟ " فقل : نعم، إنما أصلي أنا وملائكتي على أنبيائي ورسلي. فأنزل الله عز وجل، على نبيه ﷺ :﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وقد أخبر أنه سبحانه وتعالى(٤)، يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا. هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. وقال تعالى :﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(٥). الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وفي الحديث :" إن الله وملائكته يصلون على ميامِن الصفوف ". وفي الحديث الآخر :" اللهم، صل على آل أبي أوفى ". وقال رسول الله ﷺ لامرأة جابر - وقد سألته أن يصلي عليها وعلى زوجها - " صلى الله عليك، وعلى زوجك(٦) (٧).
وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ بالأمر بالصلاة عليه، وكيفية الصلاة عليه، ونحن نذكر منها إن شاء الله تعالى ما تيسر، والله المستعان.
قال البخاري - عند تفسير هذه الآية(٨) - : حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد، حدثنا أبي، عن مِسْعَر، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرَة قال : قيل : يا رسول الله، أما السلام عليك فَقد عرفناه، فكيف الصلاة ؟ فقال :" قولوا : اللهم، صل على محمد، وعلى آل محمد، [ كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم، بارك على محمد وعلى آل محمد ] (٩) كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد " (١٠).
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة(١١)، عن الحكم قال : سمعت ابن أبي ليلى قال : لقيني كعب بن عُجْرَةَ فقال : ألا أهدي لك هدية ؟ خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا : يا رسول الله، قد علمنا - أو : عرفنا - كيف السلام(١٢)، عليك، فكيف الصلاة ؟ قال :" قولوا : اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على [ آل ](١٣) إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم، بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ".
وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة في كتبهم، من طرق متعددة، عن الحكم - وهو ابن عتبة(١٤) زاد البخاري : وعبد الله بن عيسى، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره(١٥).
وقال ابن أبي حاتم(١٦) : حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هُشَيْم بن بُشَير، عن يزيد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرَة قال : لما نزلت :﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال : قلنا : يا رسول الله، قد علمنا السلام(١٧) فكيف الصلاة عليك ؟ قال :" قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد مجيد ". وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول : وعلينا معهم.
ورواه الترمذي بهذه الزيادة(١٨).
ومعنى قولهم :" أما السلام عليك فقد عرفناه " : هو الذي في التشهد الذي كان يعلمهم إياه، كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وفيه :" السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ".
حديث آخر : قال(١٩) البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن ابن(٢٠) الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال : قلنا : يا رسول الله، هذا السلام(٢١) فكيف نصلي عليك : قال :" قولوا : اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم ". [ وفي رواية ](٢٢) : قال أبو صالح، عن الليث :" على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم ".
حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا ابن أبى حازم والدّرَاوَرْدي، عن يزيد - يعني : ابن الهاد - قال :" كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ".
وأخرجه النسائي وابن ماجة، من حديث ابن الهاد، به(٢٣).
حديث آخر : قال(٢٤) الإمام أحمد : قرأت على عبد الرحمن : مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرو بن سُلَيم أنه قال : أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله، كيف نصلي عليك ؟ قال :" قولوا : اللهم " صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على [ آل ](٢٥) إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ".
وقد أخرجه بقية الجماعة، سوى الترمذي، من حديث مالك، به(٢٦).
حديث آخر : قال مسلم : حدثنا يحيى التميمي قال : قرأت على مالك، عن نُعَيم بن عبد الله المُجمَّر، أخبرني محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري - قال : وعبد الله بن زيد هو الذي كان أُرِيَ النداء بالصلاة - أخبره عن أبي مسعود الأنصاري - قال : أتانا رسول الله ﷺ، ونحن في مجلس سعد بن عُبَادة، فقال له بَشير بن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك [ يا رسول الله ]، (٢٧) فكيف نصلي عليك ؟ قال : فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ :" قولوا : اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما قد عَلِمْتُمْ ".
وقد رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث مالك، به(٢٨). وقال الترمذي : حسن صحيح.
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خُزَيمة، وابن حبّان، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود البدري أنهم قالوا : يا رسول الله، أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا ؟ فقال :" قولوا : اللهم، صَل على محمد وعلى آل محمد. . . " وذكره(٢٩).
ورواه الشافعي، رحمه الله، في مسنده، عن أبي هريرة، بمثله(٣٠). ومن هاهنا ذهب الشافعي، رحمه الله، إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته. وقد شَرَع بعض المتأخرين من المالكية وغيرهم يُشنع على الإمام الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة، ويزعم أنه قد تفرد بذلك، وحكى الإجماع على خلافه أبو جعفر الطبري والطحاوي والخطابي وغيرهم، فيما نقله القاضي عياض. وقد تَعَسّف القائل(٣١) في رده على الشافعي، وتكلف في دعواه الإجماع في ذلك، [ وقال ما لم يحط به علما ](٣٢)، فإنه قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة كما هو ظاهر الآية، ومفسر(٣٣) بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة، منهم : ابن مسعود، وأبو مسعود البدري، وجابر بن عبد الله، ومن التابعين : الشعبي، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل بن حيان. وإليه ذهب الشافعي، لا خلاف عنه في ذلك ولا بين(٣٤) أصحابه أيضا، وإليه ذهب [ الإمام ](٣٥) أحمد أخيرا فيما حكاه عنه أبو زُرْعَة الدمشقي، به. وبه قال إسحاق بن راهويه، والفقيه الإمام محمد بن إبراهيم المعروف بابن الموّاز المالكي، رحمهم الله، حتى إن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال في الصلاة عليه ﷺ كما علمهم أن يقولوا لما سألوه، وحتى إن بعض أصحابنا أوجب الصلاة على الآل ممن(٣٦) حكاه البَنْدَنيجِيّ، وسُلَيم الرازي، وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي، ونقله إمام الحرمين وصاحبه الغزالي قولا عن الشافعي. والصحيح أنه وجه، على أن الجمهور على خلافه، وحكوا الإجماع على خلافه، وللقول بوجوبه ظواهر الحديث، والله أعلم.
والغَرَض أن الشافعي، رحمه الله، لقوله(٣٧) بوجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة - سَلَفٌ وَخَلَفٌ(٣٨) كما تقدم، لله الحمد والمنة، فلا إجماع على خلافه في هذه المسألة لا قديما ولا حديثا، والله أعلم.
ومما يؤيد ذلك : الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي - وصححه - والنسائي وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، من رواية حَيْوة بن شُرَيْح المصري، عن أبي هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك أبي علي الجَنْبي(٣٩)، عن فضالة بن عبيد، رضي الله عنه، قال : سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاته، لم يمجد الله ولم يصل على النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ :" عَجل هذا ". ثم دعاه فقال له ولغيره :" إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، عز وجل، والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ثم ليدعُ [ بعد ](٤٠) بما شاء " (٤١).
وكذا الحديث الذي رواه ابن ماجه، من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ أنه قال :" لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار(٤٢).
ولكن عبد المهيم
وقد رواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية كذلك. وروي مثله عن الربيع أيضا. وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس كما قاله سواء، رواهما ابن أبي حاتم.
وقال أبو عيسى الترمذي : وروي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا : صلاة الرب : الرحمة، وصلاة الملائكة : الاستغفار.
ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو الأوْديّ، حدثنا وَكِيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، قال الأعمش عن عطاء(٢) بن أبي رباح ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال : صلاته تبارك وتعالى : سُبّوح قدوس، سبقت رحمتي غضبي.
والمقصود من هذه الآية : أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه. ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا.
وقد قال(٣) ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر - يعني : ابن المغيرة - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام : هل يصلي ربك ؟ فناداه ربه : يا موسى، سألوك :" هل يصلي ربك ؟ " فقل : نعم، إنما أصلي أنا وملائكتي على أنبيائي ورسلي. فأنزل الله عز وجل، على نبيه ﷺ :﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وقد أخبر أنه سبحانه وتعالى(٤)، يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا. هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. وقال تعالى :﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(٥). الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وفي الحديث :" إن الله وملائكته يصلون على ميامِن الصفوف ". وفي الحديث الآخر :" اللهم، صل على آل أبي أوفى ". وقال رسول الله ﷺ لامرأة جابر - وقد سألته أن يصلي عليها وعلى زوجها - " صلى الله عليك، وعلى زوجك(٦) (٧).
وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ بالأمر بالصلاة عليه، وكيفية الصلاة عليه، ونحن نذكر منها إن شاء الله تعالى ما تيسر، والله المستعان.
قال البخاري - عند تفسير هذه الآية(٨) - : حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد، حدثنا أبي، عن مِسْعَر، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرَة قال : قيل : يا رسول الله، أما السلام عليك فَقد عرفناه، فكيف الصلاة ؟ فقال :" قولوا : اللهم، صل على محمد، وعلى آل محمد، [ كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم، بارك على محمد وعلى آل محمد ] (٩) كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد " (١٠).
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة(١١)، عن الحكم قال : سمعت ابن أبي ليلى قال : لقيني كعب بن عُجْرَةَ فقال : ألا أهدي لك هدية ؟ خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا : يا رسول الله، قد علمنا - أو : عرفنا - كيف السلام(١٢)، عليك، فكيف الصلاة ؟ قال :" قولوا : اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على [ آل ](١٣) إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم، بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ".
وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة في كتبهم، من طرق متعددة، عن الحكم - وهو ابن عتبة(١٤) زاد البخاري : وعبد الله بن عيسى، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره(١٥).
وقال ابن أبي حاتم(١٦) : حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هُشَيْم بن بُشَير، عن يزيد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرَة قال : لما نزلت :﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال : قلنا : يا رسول الله، قد علمنا السلام(١٧) فكيف الصلاة عليك ؟ قال :" قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد مجيد ". وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول : وعلينا معهم.
ورواه الترمذي بهذه الزيادة(١٨).
ومعنى قولهم :" أما السلام عليك فقد عرفناه " : هو الذي في التشهد الذي كان يعلمهم إياه، كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وفيه :" السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ".
حديث آخر : قال(١٩) البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن ابن(٢٠) الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال : قلنا : يا رسول الله، هذا السلام(٢١) فكيف نصلي عليك : قال :" قولوا : اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم ". [ وفي رواية ](٢٢) : قال أبو صالح، عن الليث :" على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم ".
حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا ابن أبى حازم والدّرَاوَرْدي، عن يزيد - يعني : ابن الهاد - قال :" كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ".
وأخرجه النسائي وابن ماجة، من حديث ابن الهاد، به(٢٣).
حديث آخر : قال(٢٤) الإمام أحمد : قرأت على عبد الرحمن : مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرو بن سُلَيم أنه قال : أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله، كيف نصلي عليك ؟ قال :" قولوا : اللهم " صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على [ آل ](٢٥) إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ".
وقد أخرجه بقية الجماعة، سوى الترمذي، من حديث مالك، به(٢٦).
حديث آخر : قال مسلم : حدثنا يحيى التميمي قال : قرأت على مالك، عن نُعَيم بن عبد الله المُجمَّر، أخبرني محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري - قال : وعبد الله بن زيد هو الذي كان أُرِيَ النداء بالصلاة - أخبره عن أبي مسعود الأنصاري - قال : أتانا رسول الله ﷺ، ونحن في مجلس سعد بن عُبَادة، فقال له بَشير بن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك [ يا رسول الله ]، (٢٧) فكيف نصلي عليك ؟ قال : فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ :" قولوا : اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما قد عَلِمْتُمْ ".
وقد رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث مالك، به(٢٨). وقال الترمذي : حسن صحيح.
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خُزَيمة، وابن حبّان، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود البدري أنهم قالوا : يا رسول الله، أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا ؟ فقال :" قولوا : اللهم، صَل على محمد وعلى آل محمد. . . " وذكره(٢٩).
ورواه الشافعي، رحمه الله، في مسنده، عن أبي هريرة، بمثله(٣٠). ومن هاهنا ذهب الشافعي، رحمه الله، إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته. وقد شَرَع بعض المتأخرين من المالكية وغيرهم يُشنع على الإمام الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة، ويزعم أنه قد تفرد بذلك، وحكى الإجماع على خلافه أبو جعفر الطبري والطحاوي والخطابي وغيرهم، فيما نقله القاضي عياض. وقد تَعَسّف القائل(٣١) في رده على الشافعي، وتكلف في دعواه الإجماع في ذلك، [ وقال ما لم يحط به علما ](٣٢)، فإنه قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة كما هو ظاهر الآية، ومفسر(٣٣) بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة، منهم : ابن مسعود، وأبو مسعود البدري، وجابر بن عبد الله، ومن التابعين : الشعبي، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل بن حيان. وإليه ذهب الشافعي، لا خلاف عنه في ذلك ولا بين(٣٤) أصحابه أيضا، وإليه ذهب [ الإمام ](٣٥) أحمد أخيرا فيما حكاه عنه أبو زُرْعَة الدمشقي، به. وبه قال إسحاق بن راهويه، والفقيه الإمام محمد بن إبراهيم المعروف بابن الموّاز المالكي، رحمهم الله، حتى إن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال في الصلاة عليه ﷺ كما علمهم أن يقولوا لما سألوه، وحتى إن بعض أصحابنا أوجب الصلاة على الآل ممن(٣٦) حكاه البَنْدَنيجِيّ، وسُلَيم الرازي، وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي، ونقله إمام الحرمين وصاحبه الغزالي قولا عن الشافعي. والصحيح أنه وجه، على أن الجمهور على خلافه، وحكوا الإجماع على خلافه، وللقول بوجوبه ظواهر الحديث، والله أعلم.
والغَرَض أن الشافعي، رحمه الله، لقوله(٣٧) بوجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة - سَلَفٌ وَخَلَفٌ(٣٨) كما تقدم، لله الحمد والمنة، فلا إجماع على خلافه في هذه المسألة لا قديما ولا حديثا، والله أعلم.
ومما يؤيد ذلك : الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي - وصححه - والنسائي وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، من رواية حَيْوة بن شُرَيْح المصري، عن أبي هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك أبي علي الجَنْبي(٣٩)، عن فضالة بن عبيد، رضي الله عنه، قال : سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاته، لم يمجد الله ولم يصل على النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ :" عَجل هذا ". ثم دعاه فقال له ولغيره :" إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، عز وجل، والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ثم ليدعُ [ بعد ](٤٠) بما شاء " (٤١).
وكذا الحديث الذي رواه ابن ماجه، من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ أنه قال :" لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار(٤٢).
ولكن عبد المهيم
١ - صحيح البخاري (٨/٥٣٢) "فتح"..
٢ - في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده عن عطاء"..
٣ - في ت: "وقد روى"..
٤ - في ت: "وقد أخبر الله تعالى" وفي ف: "وقد أخبر أنه سبحانه بأنه"..
٥ - في ت: "المؤمنين " وهو خطأ..
٦ - في ف، أ: "وعلى آل زوجك"..
٧ - رواه أحمد في مسنده (٣/٣٩٨) وابن حبان في صحيحه برقم (١٩٥١) "موارد" من طريق الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر رضي الله عنه..
٨ - في ت: "روى البخاري في صحيحه"..
٩ - زيادة من ت، ف، والبخاري..
١٠ - صحيح البخاري برقم (٤٧٩٧)..
١١ - في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده"..
١٢ - في أ: "نسلم"..
١٣ - زيادة من ت، ف، والمسند..
١٤ - في أ: "عيينة"..
١٥ - المسند (٤/٢٤١) وصحيح البخاري برقم (٣٣٧٠) وبرقم (٦٣٥٧) وبرقم (٤٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (٤٠٦) وسنن أبي داود برقم (٩٧٦) وسنن الترمذي برقم (٤٨٣) وسنن النسائي (٣/٤٧) وسنن ابن ماجه برقم (٩٠٤)..
١٦ - في أ: "وقال البخاري"..
١٧ - في ت، ف، أ: "السلام عليك"..
١٨ - سنن الترمذي برقم (٤٨٣) وقال: "حديث حسن صحيح"..
١٩ - في ت: "روى"..
٢٠ - في أ: "أبي"..
٢١ - في أ: "هذا السلام عليك"..
٢٢ - زيادة من ت..
٢٣ - صحيح البخاري برقم (٤٧٩٨)..
٢٤ - في ت: "وروى"..
٢٥ - زيادة من ت، ف، أ، والمسند..
٢٦ - المسند (٥/٤٢٤) وصحيح البخاري برقم (٣٣٦٩) وصحيح مسلم برقم (٤٠٧) وسنن أبي داود برقم (٩٧٩) وسنن النسائي (٣/٤٩) وسنن ابن ماجه برقم (٩٠٥)..
٢٧ - زيادة من ت، ف، أ، ومسلم..
٢٨ - صحيح مسلم برقم (٤٠٥) وسنن أبي داود برقم (٩٨٠) وسنن الترمذي برقم (٣٢٢٠) وسنن النسائي (٣/٤٥)..
٢٩ - المسند (٤/١١٩) وسنن أبي داود برقم (٩٨١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٩٨٧٧) والمستدرك (١/٦٦٨) وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم"..
٣٠ - مسند الشافعي برقم (٢٦٨) "بدائع المنن" ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٩٨٧٥) من طريق داود بن قيس، عن نعيم بن عبد الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه..
٣١ - في أ: "تعسف هذا القائل"..
٣٢ - زيادة من ف، أ..
٣٣ - في ت: "ومشعر"..
٣٤ في أ: "من"..
٣٥ - زيادة من ت، ف، أ..
٣٦ - في ف: "فيما" وفي أ: "فيمن"..
٣٧ - في أ: "يقول"..
٣٨ - في أ: "سلفا وخلفا"..
٣٩ - في أ: "الحسيني"..
٤٠ - زيادة من ف، أ، والمسند..
٤١ - المسند (٦/١٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٨١) وسنن الترمذي برقم (٣٤٧٧) وسنن النسائي (٣/٤٤)..
٤٢ - سنن ابن ماجه برقم (٤٠٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/١٦٧) "هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد المهيمن"..
٢ - في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده عن عطاء"..
٣ - في ت: "وقد روى"..
٤ - في ت: "وقد أخبر الله تعالى" وفي ف: "وقد أخبر أنه سبحانه بأنه"..
٥ - في ت: "المؤمنين " وهو خطأ..
٦ - في ف، أ: "وعلى آل زوجك"..
٧ - رواه أحمد في مسنده (٣/٣٩٨) وابن حبان في صحيحه برقم (١٩٥١) "موارد" من طريق الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر رضي الله عنه..
٨ - في ت: "روى البخاري في صحيحه"..
٩ - زيادة من ت، ف، والبخاري..
١٠ - صحيح البخاري برقم (٤٧٩٧)..
١١ - في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده"..
١٢ - في أ: "نسلم"..
١٣ - زيادة من ت، ف، والمسند..
١٤ - في أ: "عيينة"..
١٥ - المسند (٤/٢٤١) وصحيح البخاري برقم (٣٣٧٠) وبرقم (٦٣٥٧) وبرقم (٤٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (٤٠٦) وسنن أبي داود برقم (٩٧٦) وسنن الترمذي برقم (٤٨٣) وسنن النسائي (٣/٤٧) وسنن ابن ماجه برقم (٩٠٤)..
١٦ - في أ: "وقال البخاري"..
١٧ - في ت، ف، أ: "السلام عليك"..
١٨ - سنن الترمذي برقم (٤٨٣) وقال: "حديث حسن صحيح"..
١٩ - في ت: "روى"..
٢٠ - في أ: "أبي"..
٢١ - في أ: "هذا السلام عليك"..
٢٢ - زيادة من ت..
٢٣ - صحيح البخاري برقم (٤٧٩٨)..
٢٤ - في ت: "وروى"..
٢٥ - زيادة من ت، ف، أ، والمسند..
٢٦ - المسند (٥/٤٢٤) وصحيح البخاري برقم (٣٣٦٩) وصحيح مسلم برقم (٤٠٧) وسنن أبي داود برقم (٩٧٩) وسنن النسائي (٣/٤٩) وسنن ابن ماجه برقم (٩٠٥)..
٢٧ - زيادة من ت، ف، أ، ومسلم..
٢٨ - صحيح مسلم برقم (٤٠٥) وسنن أبي داود برقم (٩٨٠) وسنن الترمذي برقم (٣٢٢٠) وسنن النسائي (٣/٤٥)..
٢٩ - المسند (٤/١١٩) وسنن أبي داود برقم (٩٨١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٩٨٧٧) والمستدرك (١/٦٦٨) وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم"..
٣٠ - مسند الشافعي برقم (٢٦٨) "بدائع المنن" ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٩٨٧٥) من طريق داود بن قيس، عن نعيم بن عبد الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه..
٣١ - في أ: "تعسف هذا القائل"..
٣٢ - زيادة من ف، أ..
٣٣ - في ت: "ومشعر"..
٣٤ في أ: "من"..
٣٥ - زيادة من ت، ف، أ..
٣٦ - في ف: "فيما" وفي أ: "فيمن"..
٣٧ - في أ: "يقول"..
٣٨ - في أ: "سلفا وخلفا"..
٣٩ - في أ: "الحسيني"..
٤٠ - زيادة من ف، أ، والمسند..
٤١ - المسند (٦/١٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٨١) وسنن الترمذي برقم (٣٤٧٧) وسنن النسائي (٣/٤٤)..
٤٢ - سنن ابن ماجه برقم (٤٠٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/١٦٧) "هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد المهيمن"..