الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿مَّلْعُونِينَ﴾ : حالٌ مِنْ فاعل " يُجاوِرونك " قاله ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء. قال ابن عطية :" لأنه بمعنى يَنْتَفُوْن منها ملعونين ". وقال الزمخشري :" دَخَلَ حرفُ الاستثناء على الحالِ والظرفِ معاً كما مَرَّ في قوله :﴿إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ﴾
[الأحزاب: ٥٣]. قلت : وقد تقدَّم بحثُ الشيخِ معه وهو عائدٌ هنا. وجَوَّزَ الزمخشريُّ أَنْ ينتَصِبَ على الشتمِ. وجَوَّز ابنُ عطية أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ " قليلاً " على أنه حال كما تقدَّم تقريرُه. ويجوزُ أَنْ يكونَ " مَلْعونين " نعتاً ل " قليلاً " على أنه منصوبٌ على الاستثناءِ مِنْ واو " يُجاوِرُوْنَك " كما تقدَّم تقريرُه. أي : لا يُجاورُك منهم أحدٌ إلاَّ قليلاً ملعوناً. ويجوز أَنْ يكونَ منصوباً ب " أُخِذُوا " الذي هو جوابُ الشرطِ. وهذا عند الكسائيِّ والفراء فإنهما يُجيزان تقديمَ معمولِ الجواب على أداةِ الشرط نحو :" خيراً إْن تَأْتِني تُصِبْ ".
وقد منع الزمخشريُّ ذلك فقال :" ولا يَصِحُّ أنْ ينتصِبَ ب " أُخِذُوا " لأنَّ ما بعد كلمة الشرطِ لا يَعْمل فيما قبلَها ". وهذا منه مَشْيٌ على الجادَّةِ. وقوله :" ما بعد كلمةِ الشرط " يشملُ فعلَ الشرطِ والجوابِ. فأمَّا الجوابُ فتقدَّم حكمُه، وأمَّا الشرطُ فأجاز الكسائيُّ أيضاً تقديمَ معمولِه على الأداة نحو :" زيداً إنْ تَضْرِبْ أُهِنْكَ ". فتلخَّص في المسألة ثلاثةُ مذاهبَ : المَنعُ مطلقاً، الجوازُ مطلقاً، التفصيلُ : يجوز تقديمُه معمولاً للجواب، ولا يجوزُ تقديمُه معمولاً للشرط، وهو رأيُ الفرَّاء.
قوله :" وقُتِّلوا " العامَّةُ على التشديد. وقُرِئ بالتخفيف. وهذه يَرُدُّها مجيءُ المصدرِ على التَّفْعيل إلاَّ أَنْ يُقالَ : جاء على غيرِ صَدْرِه. وقوله :" سُنَّةُ اللَّهِ " قد تقدَّم نظيرها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى