جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾.
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم : معناه : إن الله عرض طاعته وفرائضه على السموات والأرض والجبال على أنها إن أحسنت أثيبت وجوزيت، وإن ضيعت عوقبت، فأبت حملها شفقا منها أن لا تقوم بالواجب عليها، وحملها آدم إنّهُ كانَ ظَلُوما لنفسه جَهُولاً بالذي فيه الحظّ له. ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَير، في قوله : إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ على السّمَوَاتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنْها قال : الأمانة : الفرائض التي افترضها الله على العباد.
قال : ثنا هشيم، عن العوّام، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، في قوله : إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ على السّمَوَاتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها قال : الأمانة : الفرائض التي افترضها الله على عباده.
قال : ثنا هشيم، قال : أخبرنا العوّام بن حوشب وجويبر، كلاهما عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ. . . إلى قوله جَهُولاً قال : الأمانة : الفرائض. قال جويبر في حديثه : فلما عرضت على آدم، قال : أي ربّ وما الأمانة ؟ قال : قيل : إن أدّيتها جزيت، وإن ضيعتها عوقبت، قال : أي ربّ حملتها بما فيها، قال : فما مكث في الجنة إلا قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس حتى عمل بالمعصية، فأُخرج منها.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية إنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ قال : عرضت على آدم، فقال : خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذّبتك، قال : قد قبلت، فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة.
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ على السّمَوَاتِ والأرْضِ والجِبالِ إن أدّوها أثابهم، وإن ضيّعوها عذّبهم، فكرهوا ذلك، وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم، فقبلها بما فيها، وهو قوله : وَحَمَلَها الإنْسانُ إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً غرّا بأمر الله.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ : الطاعة عرضها عليها قبل أن يعرضها على آدم، فلم تطقها، فقال لآدم : يا آدم إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال، فلم تطقها، فهل أنت آخذها بما فيها ؟ فقال : يا ربّ : وما فيها ؟ قال : إن أحسنت جُزِيت، وإن أسأت عُوقبت، فأخذها آدم فتحملها، فذلك قوله : وَحَمَلَها الإنْسانُ إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا سفيان، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله : إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ على السّمَوَاتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَها الإنْسانُ إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً قال آدم : قيل له : خذها بحقها، قال : وما حقها ؟ قيل : إن أحسنت جُزيت، وإن أسأت عُوقبت، فما لبث ما بين الظهر والعصر حتى أخرج منها.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ على السّمَوَاتِ والأرْضِ والجِبالِ فلم يطقن حمَلها، فهل أنت يا آدم آخذها بما فيها قال آدم : وما فيها يا ربّ ؟ قال : إن أحسنت جُزِيت، وإن أسأت عوقبت، فقال : تحمّلتُها، فقال الله تبارك وتعالى : قد حملتكها فما مكث آدم إلا مقدار ما بين الأولى إلى العصر حتى أخرجه إبليس لعنه الله من الجنة والأمانة : الطاعة.
حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال : حدثنا بقية، قال : ثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمرو، وكان من أصحاب النبيّ ﷺ قال : قال النبيّ ﷺ :«إنّ الأمانَةَ والوَفاءَ نَزَلا على ابْنِ آدَمَ مَعَ الأنْبِياءِ، فأُرْسِلُوا بِهِ، فَمِنْهُمْ رَسُولُ اللّهِ، ومِنْهُمْ نَبِيّ، وَمِنْهُمْ نَبِيّ رَسُولٌ. نزل القرآن وهو كلام الله، ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله شيئا من أمره مما يأتون ومما يجتنبون، وهي الحجج عليهم، إلا بَيّنَةُ لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن من القبيح. ثم الأمانة أوّل شيء يُرْفع، ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يُرْفع الوفاء والعهد والذمم، وتبقى الكتب، فعالم يعمل، وجاهل يعرفها وينكرها حتى وصل إليّ وإلى أمتي، فلا يَهْلِك على الله إلا هالك، ولا يُغْفِله إلا تارك، والحذرَ أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، وإنما يبلوكم أيكم أحسن عملا ».
حدثني محمد بن خلف العَسْقلاني، قال : حدثنا عبيد بن عبد المجيد الحنفيّ، قال : حدثنا العوّام العطار، قال : حدثنا قتادة، وأبان بن أبي عياش، عن خَلِيد العَصْري، عن أبي الدرداء، قال : قال رسول الله ﷺ :«خَمْسٌ مَنْ جاءَ بِهِنّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ إيمانٍ دَخَلَ الجَنّةَ : مَن حافَظَ على الصّلَوَاتِ الخَمْسِ، على وُضُوئهِنّ وَرُكُوعِهِنّ وَسُجُودِهِنّ وَمَوَاقِيتِهِنّ، وأعْطَى الزّكاةَ مِنْ مالِهِ طَيّبَ النّفْسِ بِها » وكانَ يَقُولُ :«وَايْمُ اللّهِ لا يفْعَلُ ذلكَ إلاّ مُؤْمِنٌ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجّ البَيْتَ إنِ اسْتَطاعَ إلى ذِلك سَبِيلاً، وأدّى الأمانَةَ » قالوا : يا أبا الدرداء : وما الأمانة ؟ قال : الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن أُبيّ بن كعب، قال : من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها.
حدثني يونس، قال : حدثنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قول الله : إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ على السّمَوَاتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنْها قال : إن الله عرض عليهنّ الأمانة أن يفترض عليهنّ الدين، ويجعل لهنّ ثوابا وعقابا، ويستأمرنهنّ على الدين، فقلن : لا، نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابا ولا عقابا، قال رسول الله ﷺ :«وَعَرَضَها اللّهُ على آدَمَ، فقالَ : بين أُذُنِي وَعاتِقي » قال ابن زيد، فقال الله له : أما إذ تحملت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابا، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحلّ لك، فأرْخ عليه حجابه، وأجعل للسانك بابا وغلقا، فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباسا، فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ على السّمَوَاتِ والأرْضِ والجِبالِ يعني به : الدين والفرائض والحدود فَأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنْها قيل لهنّ : احملنها تؤَدّين حقها، فقلن : لا نطيق ذلك وَحَمَلَها الإنْسانُ إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً قيل له : أتحملها ؟ قال : نعم، قيل : أتؤدّي حقها ؟ قال : نعم، قال الله : إنه كان ظلوما جهولاً عن حقها.
وقال آخرون : بل عنى بالأمانة في هذا الموضع : أمانات الناس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا تميم بن المنتصر، قال : حدثنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ ﷺ أنه قال :«القَتْلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُكَفّرُ الذّنُوبَ كُلّها أو قال : يُكَفّرُ كُلّ شَيْءٍ إلاّ الأمانَةَ يُؤْتَى بصَاحِبِ الأمانَةِ، فَيُقالُ لَهُ : أدّ أمانَتَكَ، فَيَقُولُ : أي ربّ وَقَدْ ذَهَبَتِ الدّنْيا، ثَلاثا فَيُقالُ : اذْهَبُوا بِهِ إلى الهَاوِيَةِ فَيُذْهَبُ بِهِ إلَيْها، فَيَهْوِي فِيها حتى يَنْتَهِي إلى قَعْرِها، فَيَجِدُها هُناكَ كَهِيْئَتِها، فَيَحْملُها، فَيَضَعَها على عاتِقِهِ، فَيَصْعَدُ بِها إلى شَفِيرِ جَهَنّمَ، حتى إذَا رأى أنّهُ قَدْ خَرَجَ زَلّتْ، فَهَوَى فِي أثَرِها أبَدَ الأبدين ». قالوا : والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث وأشدّ ذلك الودائع، فلقيت البراء فقلت : ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله ؟ فقال : صدق.
قال : شريك، وثني عياش العامري عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ ﷺ بنحوه، ولم يذكر الأمانة في الصلاة، وفي كلّ شيء.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : أخبرني عمرو بن الحارث، عن ابن أبي هلال، عن أبي حازم، قال : إن الله عرض الأمانة على سماء الدنيا، فأبت ثم التي تليها، حتى فرغ منها، ثم الأرضين ثم الجبال، ثم عرضها على آدم، فقال : نعم، بين أذني وعاتقي. فثلاث آمرك بهنّ، فإنهنّ لك عون : إني جعلت لك لسانا بين لحسيين، فكفه عن كلّ شيء نهيتك عنه وجعلت لك فرجا وواريته، فلا تكشفه إلى ما حرّمت عليك.
وقال آخرون : بل ذلك إنما عنى به ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده، وخيانة قابيل أباه في قتله أخاه. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبيّ ﷺ قال : كان لا يولد لاَدم مولود إلا وُلد معه جارية، فكان يزوّج غلامَ هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوّج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الاَخر، حتى وُلد له اثنان، يقال لهما قابيل، وهابيل وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وإن هابيل طلب أن يَنْكِح أخت قابيل، فأبى عليه وقال : هي أختي وُلدتْ معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحقّ أن أتزوّجها، فأمره أبوه أن يزوّجها هابيل فأبى، وإنهما قرّبا قربانا إلى الله أيهما أحقّ بالجارية، وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما، أي بمكة ينظر إليها، قال الله لاَدم : يا آدم هل تعلم أن لي بيتا في الأرض ؟ قال : اللهمّ لا، قال : إن لي بيتا بمكة فأته، فقال آدم للسماء : احفظي ولدي بالأمانة، فأبت وقال للأرض، فأبت فقال للجبال، فأبت فقال لقابيل، فقال : نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرّك فلما انطلق آدم وقرّبا قربانا، وكان قابيل يفخر عليه فيقول : أنا أحقّ بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيّ والدي فلما

تفسير هذه الآية من كتب أخرى