اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمَنُوا اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ. . .﴾ الآية وهذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحيث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك حين حُوصِرَ المسلمون مع رسول الله - ﷺ - أيام الخَنْدَق، واجتمع الأحزاب واشتد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة وعمل النبي - ﷺ - الخَنْدَق وكان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمَنَهُمْ من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبدُ غَيْرَ ربه فإنه القادر(١) على كل الممكنات فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم ضعفاء كما قهر الكافرين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم.
قوله :«إذْ جَاءَتْكُمْ » يجوز أن يكون منصوباً «بنعمة » أي النعمة الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوباً باذْكُرُوا على أن يكون بدلاً من «نعمة » بدل اشتمال(٢)، والمراد بالجنود الأحزاب وهم قريش وغَطفَان، ويهود قُرَيْظَةَ والنَّضِير ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾(٣) وهي الصَّبَا، قال عكرمة : قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب : انطلقي بنصر رسول الله - ﷺ - فقالت الشمالُ إن الحرَّة لا تَسْرِي بالليل فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا وروى مجاهد عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - «قال :«نُصِرتُ بالصَّبَا وأهلكَتْ عَادٌ بالدَّبورِ »(٤).
قوله :﴿وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ قرأ الحسن بفتح الجيم، والعامة بضمها(٥)، و «جُنُوداً » عطفاً على «ريحاً » و «لَمْ تروها » صفة لهم، وروي عن أبي عمرو، وأبي بكر «لم يَرَوْهَا »(٦) بياء الغيبة، وهم الملائكة ولم تقاتل الملائكة يومئذ فبعث الله عليهم تلك الليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطناب الفَسَاطِيطِ(٧) وأطفأت النيرانَ وأَكْفَأت القُدُورَ(٨)، وجالت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول : يا بني فلان هَلُمَّ إليَّ فإذا اجتمعوا عنده قال : النَّجَا النَّجَا أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال(٩). ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ وهذا إشارة إلى أن الله علم التجاءكم إليه وجاءكم(١٠) فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداد والقصة مشهورة.
١ في "ب" فإنه قادر بدون (ألف ولام)..
٢ ذكره العكبري في التبيان ٥٢. والدر المصون ٤/٣٦٧..
٣ لم أعثر على هذا الرأي وهذا الأثر بصيغته تلك وإنما ما عثرت عليه أن الريح التي نزلت عليهم ربح الصبا، انظر: زاد المسير ٦/٣٥٧..
٤ الحديث رواه الإمام البخاري في الاستسقاء ١/١٨٣..
٥ من القراءات الشاذة ذكرها أبو حيان في البحر ٧/٢١٦ وانظر شواذ القرآن (١٩٣)..
٦ زاد المسير ٦/٣٥٧ وهي قراءة النخعي والجَحْدَرِيَ، والجَوْنِي وابن السَّمَيْفَعَ، وانظر كذلك مختصر ابن خالويه ١١٨ والقرطبي ١٤/١٤٤ بدون نسبة..
٧ أي عروق الشعر..
٨ أي كبت يقال: كفأت الإناء أي كببته، وأكفأت الشيء أي أملته انظر: اللسان:" ك ف أ" ٣٨٩٣..
٩ انظر: زاد السير ٦/٣٥٧..
١٠ في "ب" ورجاكم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى