معالم التنزيل — البغوي
عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم﴾ وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله ﷺ أيام الخندق، ﴿إذ جاءتكم جنود﴾ يعني الأحزاب، وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة، والنضير، ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً﴾ وهي الصبا، قال عكرمة : قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر رسول الله ﷺ فقالت الشمال إن الحرة لا تسري بالليل، وكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا آدم، أنبأنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال :" نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ". قوله تعالى :﴿وجنوداً لم تروها﴾ وهم الملائكة، ولم تقاتل الملائكة يومئذ، فبعث الله عليهم تلك ريحاً باردةً فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول : يا بني فلان هلم إلي، فإذا اجتمعوا عنده قال : النجاء النجاء، أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. ﴿وكان الله بما تعملون بصيراً﴾.
قال محمد بن إسحاق : حدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن عروة بن الزبير، ومن لا أتهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك، وعن الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن أبي بكرة بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن غيرهم من علمائنا، دخل حديث بعضهم في بعض :" أن نفراً من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وهودة بن قيس وأبي عمار الوائلي، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش : يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، فديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منهم، قال : فهم الذين أنزل الله فيهم :﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ إلى قوله :﴿وكفى بجهنم سعيراً﴾ فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله، فأجمعوا لذلك، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد بايعوهم على ذلك، فأجابوهم. فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه من أشجع. فلما سمع بهم رسول الله ﷺ وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة. وكان الذي أشار على رسول الله ﷺ بالخندق سلمان الفارسي، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله ﷺ وهو يومئذ حر، فقال : يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا فعمل فيه رسول الله ﷺ والمسلمون حتى أحكموه.
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبي، أنبأنا عبد الله بن حامد الأصبهاني، أنبأنا محمد بن جعفر الطبري، حدثنا حماد بن الحسن، حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدثنا كثير بن عبد الله، عن عمرو بن عوف، حدثني أبي عن أبيه قال :" خط رسول الله ﷺ الخندق عام الأحزاب ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعاً، قال فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلاً قوياً، فقال المهاجرون : سلمان منا، وقال الأنصار : سلمان منا، فقال النبي ﷺ : سلمان منا أهل البيت ". قال عمرو بن عوف : كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المازني وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً، فحفرنا حتى إذا كنا بجنب ذي باب أخرج الله في بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا : يا سلمان ارق إلى رسول الله ﷺ وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن يعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، قال : فرقى سلمان إلى رسول الله ﷺ وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال : يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيبنا فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نتجاوز خطك، فهبط رسول الله ﷺ مع سلمان الخندق والتسعة على شق الخندق، فأخذ رسول الله ﷺ المعول من يد سلمان فضربها ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها يعني المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوب بيت مظلم، فكبر رسول الله ﷺ تكبيرا فكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله ﷺ الثانية وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله ﷺ فكسرها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها، فأخذ بيد سلمان ورقى، فقال سلمان : بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئاً ما رأيت مثله قط، فالتفت رسول الله ﷺ إلى القوم فقال : أرأيتم ما يقول سلمان ؟ قالوا : نعم يا رسول الله، قال : ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها. فأبشروا، فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعد صدق، وعدنا النصر بعد الحصر، فقال المنافقون : ألا تعجبون من محمد يعدكم ويمنيكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا ؟ قال فنزل القرآن :﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً﴾ وأنزل الله في هذه القصة :﴿قل اللهم مالك الملك﴾ الآية ".
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا عبد الله بن محمد، أنبأنا معاوية بن عمرو، أنبأنا أبو إسحاق، عن حميد قال : سمعت أنساً يقول :" خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك عنهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع، قال :
فقالوا مجيبين له :
وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال :" كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو أغبر وهو يقول :
ورفع بها صوته : أبينا أبينا ". رجعنا إلى حديث ابن إسحاق، قال : فلما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من دومة من الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نعمى إلى جانب أحد، وخرج رسول الله ﷺ حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم. وأمر بالنساء والذراري فرفعوا في الآطام. وخرج عدو الله حيي بن أخطب من بني النضير حتى أتى كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه وعاهده على ذلك، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه حيي فأبى أن يفتح له، فناداه حيي : يا كعب افتح لي، فقال : ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمداً، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقاً. قال : ويحك افتح لي أكلمك، قال : ما أنا بفاعل، قال : والله إن أغلقت دوني إلا على حشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال : ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نعمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمداً ومن معه. قال له كعب بن أسد : جئتني والله بذل الدهر وبجام قد هراق ماؤه برعد وبرق، وليس فيه شيء، فدعني ومحمداً وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءً، فلم يزل حيي بن أخطب بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له، على أن أعطاه من الله عهداً وميثاقاً ووفاء. لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده وتبرأ مما كان عليه فيما كان بينه وبين رسول الله ﷺ. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ الخبر وإلى المسلمين، بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ، أحد بني عبد الأشهل، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بني الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير، أخو بني عمرو بن عوف، فقال : انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقاً فألحنوا لي لحناً أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به جهراً للناس، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم منهم، ونالوا من رسول الله ﷺ فسلموا عليه وقالوا : عضل والقارة، بأصحاب رسول الله ﷺ، أصحاب الرجيع : خبيب بن عدي وأصحابه، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين. وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال معتب بن قشير، أخو بني عمرو ابن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى و
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا آدم، أنبأنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال :" نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ". قوله تعالى :﴿وجنوداً لم تروها﴾ وهم الملائكة، ولم تقاتل الملائكة يومئذ، فبعث الله عليهم تلك ريحاً باردةً فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول : يا بني فلان هلم إلي، فإذا اجتمعوا عنده قال : النجاء النجاء، أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. ﴿وكان الله بما تعملون بصيراً﴾.
قال محمد بن إسحاق : حدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن عروة بن الزبير، ومن لا أتهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك، وعن الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن أبي بكرة بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن غيرهم من علمائنا، دخل حديث بعضهم في بعض :" أن نفراً من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وهودة بن قيس وأبي عمار الوائلي، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش : يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، فديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منهم، قال : فهم الذين أنزل الله فيهم :﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ إلى قوله :﴿وكفى بجهنم سعيراً﴾ فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله، فأجمعوا لذلك، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد بايعوهم على ذلك، فأجابوهم. فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه من أشجع. فلما سمع بهم رسول الله ﷺ وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة. وكان الذي أشار على رسول الله ﷺ بالخندق سلمان الفارسي، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله ﷺ وهو يومئذ حر، فقال : يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا فعمل فيه رسول الله ﷺ والمسلمون حتى أحكموه.
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبي، أنبأنا عبد الله بن حامد الأصبهاني، أنبأنا محمد بن جعفر الطبري، حدثنا حماد بن الحسن، حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدثنا كثير بن عبد الله، عن عمرو بن عوف، حدثني أبي عن أبيه قال :" خط رسول الله ﷺ الخندق عام الأحزاب ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعاً، قال فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلاً قوياً، فقال المهاجرون : سلمان منا، وقال الأنصار : سلمان منا، فقال النبي ﷺ : سلمان منا أهل البيت ". قال عمرو بن عوف : كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المازني وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً، فحفرنا حتى إذا كنا بجنب ذي باب أخرج الله في بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا : يا سلمان ارق إلى رسول الله ﷺ وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن يعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، قال : فرقى سلمان إلى رسول الله ﷺ وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال : يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيبنا فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نتجاوز خطك، فهبط رسول الله ﷺ مع سلمان الخندق والتسعة على شق الخندق، فأخذ رسول الله ﷺ المعول من يد سلمان فضربها ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها يعني المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوب بيت مظلم، فكبر رسول الله ﷺ تكبيرا فكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله ﷺ الثانية وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله ﷺ فكسرها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها، فأخذ بيد سلمان ورقى، فقال سلمان : بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئاً ما رأيت مثله قط، فالتفت رسول الله ﷺ إلى القوم فقال : أرأيتم ما يقول سلمان ؟ قالوا : نعم يا رسول الله، قال : ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها. فأبشروا، فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعد صدق، وعدنا النصر بعد الحصر، فقال المنافقون : ألا تعجبون من محمد يعدكم ويمنيكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا ؟ قال فنزل القرآن :﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً﴾ وأنزل الله في هذه القصة :﴿قل اللهم مالك الملك﴾ الآية ".
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا عبد الله بن محمد، أنبأنا معاوية بن عمرو، أنبأنا أبو إسحاق، عن حميد قال : سمعت أنساً يقول :" خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك عنهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع، قال :
| اللهم إن العيش عيش الآخرة | فاغفر للأنصار والمهاجرة |
| نحن الذين بايعوا محمداً | على الجهاد ما بقينا أبدا |
| والله لولا الله ما اهتدينا | ولا تصدقنا ولا صلينا |
| وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى | فأنزلن سكينةً علينا |
| إن الألى قد بغوا علينا | إذا أرادوا فتنةً أبينا |