تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٩ وقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها﴾ كأنه يقول، والله أعلم : اشكروا ما أنعم الله عليكم، وأحسنوا صحبة نعمه في النصر لكم والدفع عنكم.
ثم الأمر في تذكير ما أنعم عليهم [ فيه ](١) وجوه من الحكمة والدلالة :
أحدها : تذكير لنا في مقاساة أولئك السلف والصحابة(٢) وعظيم ما امتحنوا في أمر الدين [ حتى بلّغوا الدين ](٣) إلينا لكي لا نضيّعه نحن، بل يلزمنا أن نحفظه، ونتمسك به، ونتحمل /٤٢٤-ب/ فيه كما تحمل أولئك.
والثاني : فيه آية لهم ؛ وذلك أنهم كانوا جميعا هم وأعداؤهم، فجاءتهم الريح والملائكة، فأهلكتهم دون المؤمنين. وقال رسول الله ﷺ ( نصرت بالصبا وأهلك عاد بالدبور ) [ البخاري ٣٢٠٥ ] وذلك آية عظيمة.
والثالث : يذكرهم ما آتاهم من الغوث عند إياسهم من أنفسهم وإشرافهم على الهلاك وخروج أنفسهم من أيديهم لأن العدو قد أحاطوا بهم. قال :﴿إذ جاءكم من فوقكم ومن أسفل منكم﴾ وبلغ أمرهم وحالهم ما ذكر حتى(٤) قال ﴿وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾ الآية [الأحزاب: ١٠].
[ ويحتمل ](٥) أن يذكر لما كان منهم من العهد والميثاق ألا يولّوا الأدبار، ولا يهربوا كقوله :﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولّون الأدبار﴾ الآية [الأحزاب: ١٥].
يذكّرهم عظيم نعمه التي كانت عليهم في النصر لهم على عدوهم والدفع عنهم وحالهم ما ذكر في الآية.
وذلك كان يوم الخندق [ إذ تحزّب الأعداء على ](٦) المؤمنين في ثلاثة أمكنة، يقاتلونهم من كل وجه شهرا، فبعث الله عليهم بالليل ريحا باردة، وبعث الملائكة، فغلبتهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وكان الله بما تعملون بصيرا﴾ يذكر أنه لا عن غفلة وسهو ترككم هنالك حتى أحاط بكم العدو، ولكن أراد أن يمتحنكم محنة عظيمة، أو يقول : إنه بصير عليم، فيجزيكم جزاء عملكم وصبركم على ذلك، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: في الصحابة..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: أو..
٦ في الأصل وم: تخربوا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى