تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآيتان ٤ و٥ : وقوله تعالى :﴿والذي أخرج المرعى﴾ ﴿فجعله غثاء أحوى﴾ ففي هذه الآيات(١) تعريف الرب الأعلى ؛ كأنه يقول : الرب الأعلى ﴿الذي خلق فسوى﴾ ﴿والذي قدر فهدى﴾/٦٣٧ – ب/﴿والذي أخرج المرعى﴾.
ثم ذكر هذه الأشياء التي يعرف انقضاؤها وبدوّها وإنشاؤها وإهلاكها من المرعى وغيره لأن وجه الدلالة بمعرفة الصانع بالأشياء التي يعرف بدوها وانقضاؤها وحدوثها وفناؤها أقرب منه بمعرفة الصانع بالأشياء التي لم يشهد الخلق بدوها ولا انقضاؤها ؛ وهي السماوات والأرضون، إذ المرء لم يصل إلى وحدانية الرب ومعرفة الصانع بالأشياء التي تحدث، وتتغير، بأدنى نظر وتأمل، ولا يصل إلى ذلك في ما يدوم إلا بلطائف الفكر وفضل تبصر وزيادة تأمل.
وجائز أن يكون خص المرعى، فكان قوام هذا الخلق لأنه لا بد للبشر من الدواب والأنعام للتعيش، والدواب حياتها بالمرعى، فكان قوام الخلق في التحصيل بإخراج المراعي، فذكرهم هذا ليستأدي منهم الشكر.
وإذا كانت الدواب لم تنشأ لأنفسها، وإنما أنشئت للخلق لتتمتعوا بها. ثم الله تعالى أنشأ للدواب مرعى، وقدر لها أقواتها، ولم يضيعها، فكيف يضيع هذا الخلق، وهم الذين قصد إليهم من خلق هذا العالم، فلا يرزقهم، ويخرجهم من تدبيره ؟
وقوله تعالى :﴿فجعله غثاء أحوى﴾ قيل : الغثاء اليابس الذي تحمله السيول والأمطار ﴿أحوى﴾ أي أسود من قدمه. قيل : الأحوى، هو الأخضر الذي يضرب إلى السواد، وهو على التقديم والتأخير، أي جعله غثاء بعد ما كان أحوى.
١ في الأصل وم: الآية..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى