فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل، كذب بما جاء به رسول الله ﷺ وتولّى عن الإيمان. وقوله :﴿أَرَأَيْتَ﴾ في الثلاثة المواضع بمعنى أخبرني لأن الرؤية لما كانت سبباً للإخبار عن المرئي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستفهام عن متعلقها، والخطاب لكل من يصلح له. وقد ذكر هنا ﴿أرأيت﴾ ثلاث مرات، وصرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأوّل محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الذي ينهى﴾ الواقع مفعولاً أوّل ل ﴿أرأيت﴾ الأولى، ومفعول ﴿أرأيت﴾ الأولى الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد ﴿أرأيت﴾ الثانية. وأما ﴿أرأيت﴾ الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أوّل ولا ثاني، حذف الأوّل لدلالة مفعول ﴿أرأيت﴾ الثالثة عليه فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من رأيت للجملة الاستفهامية على سبيل التنازع، لأنه يستدعي إضماراً، والجمل لا تضمر، إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة، وأما جواب الشرط المذكور مع ﴿أرأيت﴾ في الموضعين الآخرين. فهو محذوف تقديره : إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن عبد الله بن شداد قال :«أتى جبريل محمداً ﷺ فقال : يا محمد اقرأ. فقال : ما أقرأ ؟ فضمه ثم قال : يا محمد اقرأ، قال : وما أقرأ ؟ قال :﴿اقرأ باسم رَبّكَ الذي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾». وفي الصحيحين : وغيرهما من حديث عائشة «فجاءه الملك، فقال : اقرأ، فقال : قلت ما أنا بقارئ، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال : اقرأ، فقلت : ما أنا بقارئ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال : اقرأ، فقلت : ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد فقال :﴿اقرأ باسم رَبّكَ الذي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ * اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم * الذي عَلَّمَ بالقلم﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأنّ عنقه، فبلغ النبيّ ﷺ فقال :«لو فعل لأخذته الملائكة عياناً»، وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عنه قال :«كان النبيّ ﷺ يصلي، فجاء أبو جهل فقال : ألم أنهك عن هذا ؟ إنك لتعلم أن ما بها رجل أكثر نادياً مني، فأنزل الله ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزبانية﴾ فجاء النبيّ ﷺ يصلي، فقيل : ما يمنعك ؟ فقال : قد اسودّ ما بيني وبينه». قال ابن عباس : والله لو تحرّك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة قال :«قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا : نعم، قال : واللات والعزّى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأنّ على رقبته، قال : فما فجئهم منه إلاّ وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده، فقيل له مالك ؟ فقال : إن بيني وبينه خندقاً من نار وهولاً وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً» قال : وأنزل الله ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّءاهُ استغنى﴾ إلى آخر السورة. يعني أبا جهل ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ يعني قومه ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ يعني الملائكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى * عبداً إِذَا صلّى﴾ قال : أبو جهل بن هشام حين رمى رسول الله ﷺ بالسلي على ظهره وهو ساجد لله عزّ وجلّ. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله :﴿لَنَسْفَعا﴾ قال : لنأخذن. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ قال : ناصره. وقد قدّمنا أن النبيّ ﷺ كان يسجد في ﴿إِذَا السماء انشقت﴾ [الاِنشقاق: ١] وفي :﴿اقرأ باسم رَبّكَ الذي خَلَقَ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى