التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله - سبحانه - :﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ رد على غروره وتفاخره بعشيرته، فقد جاء فى الحديث الشريف أن أبا جهل عندما نهى النبى ﷺ عن الصلاة، نهره النبى ﷺ وزجره وأغلظ له القول.. فقال أبو جهل : أتهددني يا محمد وأنا أكثر هذا الوادى ناديا، فأنزل الله - سبحانه - :﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ. سَنَدْعُ الزبانية﴾.
وأصل النادى : المكان الذى يجتمع فيه الناس للحديث، ولا يسمى المكان بهذا الاسم إلا إذا كان معدا لهذا الغرض، ومنه دار الندوة، وهى دار كان أهل مكة يجتمعون فيها للتشاور فى مختلف أمورهم، وسمي بذلك لأن الناس يَنْدُون إليه، أي : يذهبون إليه، أو ينتدون فيه، أي : يجتمعون للحديث فيه. يقال : ندا القوم نَدْواً - من باب غزا - إذا اجتمعوا.
والأمر فى قوله - تعالى - :﴿فَلْيَدْعُ﴾ للتعجيز، والكلام على حذف مضاف. أي : فليدع هذا الشقى المغرور أهله وعشيرته لإيذاء النبى ﷺ، ولمنعه من الصلاة، إن قدروا على ذلك، فنحن من جانبنا سندع الزبانية، وهم الملائكة الغلاظ الموكلون بعقاب هذا المغرور وأمثاله.
ولفظ الزبانية فى كلام العرب : يطلق على رجال الشرطة الذين يزبنون الناس، أي : يدفعونهم إلى ما يريدون دفعهم إليه بقوة وشدة وغلظة، جمع زِبْنيَّة، وأصل اشتقاقه من الزَّبْنِ، وهو الدفع الشديد، ومنه قولهم : حرب زبون، إذا اشتد الدفع والقتال فيها، وناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها.
والمقصود بهاتين الآيتين، التهكم بهذا الإِنسان المغرور، والاستخفاف به وبكل من يستنجد به، ووعيده بأنه إن استمر فى غروره ونهيه عن الصلاة فسيسلط الله - تعالى - عليه ملائكة غلاظا شدادا. لا قبل له ولا لقومه بهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى