الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿أَن رَّآهُ﴾ :" أنْ " مفعولٌ له، أي : لرؤيتِه نفسَه مُسْتَغْنياً. وتعدَّى الفعلُ هنا إلى ضميرَيْه المتصلَيْن ؛ لأنَّ هذا مِنْ خواصِّ هذا البابِ. قال الزمخشري :" ومعنى الرؤيةِ العِلْمُ، لو كانَتْ بمعنى الإِبصارِ لامتنعَ في فِعْلِها الجمعُ بين الضميرَيْن، و " استغنى " هو المفعول الثاني ". قلت : والمسألةُ فيها خلافٌ : ذهب جماعةٌ إلى أنَّ " رأى " البَصَرية تُعْطي حُكْمَ العِلْمَّية، وجَعَل مِنْ ذلك قولَ عائشةَ - رضي اللَّهُ عنها - " لقد رَأَيْتُنا مع رسولِ الله ﷺ وما لنا طعامٌ إلاَّ الأسْوَدان " وأنشد :
وتقدَّم تحقيقُه. وقرأ قنبل بخلافٍ عنه " رَأَه " دونَ ألفٍ بعد الهمزة وهو مقصورٌ مِنْ " رآه " في قراءةِ العامَّةِ، ولا شكَّ أنَّ الحَذْفَ في مثلِه جاء قليلاً كقولِهم :" أصابَ الناسَ جَهْدٌ، ولو تَرَ أهلَ مكةَ " بحَذْفِ لامِ " ترى "، وقولِ الآخرِ :
وَصَّانِيَ العَجَّاجُ فيما وَصَّني ***
يريد : وصَّاني، ولَمَّا روَى ابن مجاهد هذه القراءةَ عن قنبل وقال :" قرأتُ بها عليه " نَسَبه فيها إلى الغلظ. ولا يَنْبغي ذلك ؛ لأنه إذا ثبتَتْ قراءةً ولها وجهٌ وإنْ كان غيرُه أشهرَ منه فلا يَنْبغي أَنْ يُقْدِمَ على تَغْليِطِه.
| ولقد أَراني للرِّماح دَرِيْئَةً | مِنْ عَنْ يمين تارةً وأمامي |
وَصَّانِيَ العَجَّاجُ فيما وَصَّني ***
يريد : وصَّاني، ولَمَّا روَى ابن مجاهد هذه القراءةَ عن قنبل وقال :" قرأتُ بها عليه " نَسَبه فيها إلى الغلظ. ولا يَنْبغي ذلك ؛ لأنه إذا ثبتَتْ قراءةً ولها وجهٌ وإنْ كان غيرُه أشهرَ منه فلا يَنْبغي أَنْ يُقْدِمَ على تَغْليِطِه.