إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
وقولُه تعالَى :﴿أَن رآهُ استغنى﴾ مفعولٌ لَهُ، أي يطغى لأنْ رَأى نفسَهُ مستغنياً، عَلى أنَّ استغنى مفعولٌ ثانٍ لرأى لأنه بمَعْنى علمَ، ولذلكَ ساغَ كونُ فاعلِه ومفعولِه ضميريْ واحدٍ كَمَا في علمتني، وإن جَوَّزَهُ بعضُهم فِي الرؤيةِ البصريةِ أيضاً، وجعلَ منْ ذلك قول عائشةَ رضيَ الله عَنْها :«لقد رأيتُنا معَ رسولِ الله ﷺ وما لَنا طعامٌ إلاَّ الأسودانِ »(١) وتعليلُ طُغيانِه برؤيتهِ لا بنفسِ الاستغناءِ كمَا ينبئُ عَنْه قولُه تعالَى :﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرض﴾ [ سورة الشورى، الآية ٢٧ ] للإيذانِ بأنَّ مَدَارَ طُغيانهِ عملهُ الفاسدُ. رُوي أنَّ أبا جهلٍ قال لرسولِ الله ﷺ : أتزعمُ أنَّ منِ استغنى طغَى فاجعلُ لنَا جبالَ مكةَ فضةً وذهباً لعلنَا نأخذُ منْهَا فنطغَى فندعَ ديننَا ونتبعَ دينكَ، فنزلَ عليهِ جبريلُ عليهِ السَّلامُ فقالَ : إن شئْتَ فعلنَا ذلكَ، ثُمَّ إنْ لَمْ يُؤمنوا فعلنَا بهمْ مَا فعلنَا بأصحابِ المائدةِ، فكفَّ رسولُ الله ﷺ عن الدُّعاءِ إبقاءً عليهمْ.
١ أخرجه أحمد في المسند (٦/٧١، ٨٦) بمعناه وليس بألفاظه والأسودان هما التمر والماء..