غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿قبلاً﴾ بكسر القاف وفتح الباء : أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون : بضمتين. ﴿منزل﴾ بالتشديد : ابن عامر وحفص والمفضل. ﴿كلمة ربك﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب. الباقون ﴿كلمات﴾ ﴿من يضل﴾ من الإضلال : الأصبهاني عن نصير، فصل على البناء للفاعل و﴿حرم﴾ على البناء للمفعول : حمزة وخلف وعاصم غير حفص والمفضل، وقرأ أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وحفص جميعاً بالفتح الباقون : على البناء للمفعول فيهما ﴿ليضلون﴾ بضم الياء : عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون : بالفتح.
الوقوف :﴿يجهلون﴾ ه ﴿غروراً﴾ ط ﴿يفترون﴾ ه ﴿مفصلاً﴾ ط ﴿الممترين﴾ ه ﴿وعدلاً﴾ ه ﴿لكلماته﴾ ج لابتداء الضمير المنفصل مع احتمال الواو الحال أي لا تبديل لكلماته وهو يسمع ويعلم، ﴿العليم﴾ ه ﴿عن سبيل الله﴾ ط ﴿يخرصون﴾ ه ﴿عن سبيله﴾ ج ﴿بالمهتدين﴾ ه ﴿مؤمنين﴾ ه ﴿إليه﴾ ط ﴿بغير علم﴾ ط ﴿بالمعتدين﴾ ه ﴿وباطنه﴾ ط ﴿يقترفون﴾ ه ﴿لفسق﴾ ط ﴿ليجادلوكم﴾ ج ﴿لمشركون﴾ ه.
ثم قال :﴿فكلوا﴾ والفاء مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين : إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم. فقال الله سبحانه للمسلمين : إن كنتم محققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله. فإن قيل : إن القوم كانوا يبيحون ما ذبح على اسم الله تعالى ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أكل الميتة فإنهم كانوا يبيحونها والمسلمون يحرمونها، فما الحكمة في إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه ؟ فالجواب لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة فرد الله تعالى عليهم في الأمرين بقوله :﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ وبقوله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } [الأنعام: ١٢١] أو نقول : المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، وعلى هذا فيكون المراد تحريم الميتة فقط والله أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وكلمهم الموتى﴾ أي : قلوبهم الميتة ﴿وحشرنا﴾ أي أريناهم جميع الآيات المودعة في المكونات ﴿إلا أن يشاء الله﴾ فإن المشيئة تغير السجية والعناية الأزلية كفاية الأبدية ﴿ولكن أكثرهم يجهلون﴾ أن الهدى ليس بالمنى وأنه بمشيئة المولى، ثم أخبر أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا فقال :﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس﴾ هي النفس الأمارة التي هي أعدى الأعداء. ﴿والذين آتيناهم الكتاب﴾ هديناهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال ﴿فلا تكونن﴾ نهى التكوين في الأزل ﴿وتمت كلمة ربك﴾ كلامه وقضاؤه في الأزل ﴿صدقاً﴾ فيما قال ﴿وعدلاً﴾ فيما حكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، وأحسن شيء خلقه هو الإنسان ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ [التين: ٤] وكذلك شر شيء هو الإنسان عند فساد استعداده ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ [التين: ٥] ولأهل الكمال ترقٍ في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان تسفل في القبح إلى الأبد أيضاً إظهاراً للقدرة الكاملة غير المتناهية ﴿وهو السميع﴾ لحاجة كل ذي حاجة ﴿العليم﴾ بما يستأهله كل موجود ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض﴾ وهم أهل الأهواء وأقلهم أهل الحق ﴿وإن هم إلا يخرصون﴾ في دعوى طلب الحق. فإن سبيل الحق لا يسلك بالهوى وإنما يسلك بالصدق والهدى. ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ فمن أمارات الإيمان أن يأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع ويذيبوه بذكر الله كما قال صلى الله عليه وآله «أذيبوا طعامكم بذكر الله» فالأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان والحرمان من الجنان. ﴿وقد فصل لكم﴾ يا أهل الله ﴿ما حرم عليكم﴾ وهو الدنيا وما فيها والآخرة ونعيمها ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ من ضروريات البشر في الدارين بأمر المولى لا بالطبع والهوى ﴿إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾ الذين جاوزوا المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى ﴿وذروا ظاهر الإثم﴾ يعني الأعمال الطبيعية ﴿وباطنه﴾ يعني الأخلاق، الذميمة الرديئة ﴿سيجزون بما كانوا يقترفون﴾ لأن الأخلاق الظلمانية توجب صدأ مرآة القلب وتزيدها ريناً إلى أن يصير حجاباً بين العبد وبين الله تعالى : ولا تأكلوا طعاماً إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، ﴿وإنه﴾ يعني ظلام الطعام يؤدي إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الكلمة النّفسانية. ﴿وإن الشياطين ليوحون﴾ فإن للشيطان مجالاً في الوسوسة إذا كانت النفوس في المجادلة مع القلوب لتدعوها إلى متابعة الهوى الله حسبي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى