اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ كما صبر رسول الله ﷺ في الآية الأولى(١)، حَذَّرَ القوم في هذه الآية، وقال لرسوله : قل لهم : لا تغتروا بما وَصَلْتُمْ إليه من الدنيا ولذَّاتها، بل سيروا في الأرض لتعرفُوا صحة ما أخبركم الرسولُ عنه من نزول العذاب بمن كذب الرسل من الأمم السَّالفة قبلكم. يحذر كفار " مكّة "، ويحتمل هذا السير أنْ يكون بالعقول والفِكَرِ، ويحتمل السَّيْرَ في الأرضِ.
قوله :" ثُمَّ انْظُرُوا " : عطف على " سِيرُوا " ولم يجئ في القرآن العطف(٢) في مثل هذا الموضوع إلاَّ بالفاء، وهنا جاء ب " ثم " فيحتاج إلى فَرْقٍ.
فذكر(٣) الزمخشري الفرق وهو : أنْ جَعَل النَّظَرَ مُسَبَّباً عن السَّيْرِ في قوله :" فانْظُرُوا " كأنه(٤) قيل : سِيُروا لأجْلِ النظرِ، ولا تسيروا سَيْرَ الغافلين.
وهنا معناه إبَاحَةُ السَيَّرِ في الأرض للتجارة وغيرها من المَنَافِع، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبَّه على ذلك ب " ثمَّ " لِتَبَاعُدِ ما بين الواجب والمباح(٥).
قال أبو حيَّان(٦) - رضي الله عنه - : وما ذكر أوَّلاً مُتَنَاقض ؛ لأنه جعل النظر مُتَسَبِّباً عن السَّيْرِ، فكان السَّيْرُ سبباً للنَّظَرِ، ثم قال : فكأنه قيل : سيروا لأجْلِ النَّظَرِ، فجعل السَّيْرَ مَعْلُولاً بالنَّظَرِ، والنَّظَرِ سَبَبٌ له فَتَنَاقَضَا، ودعوى أن " الفاء " سببيةٌ دعوى لا دَلِيلَ عليها، وإنَّما مَعْنَاها التَّعْقِيبُ فقط، وأمَّا " زَنَى ماعِز فَرُجم " فَفَهْمُ السببية من قَرِينَةٍ غيرها.
قال :" وعلى تقدير [ تَسْلِيم ](٧) إفادتها السَّبَبَ، فَلِمَ كان السيرُ هنا سَيْرَ إباحةٍ، وفي غيره سَيْرَ إيجاب ؟ ".
وهذا اعتراض صحيح إلاَّ قوله :" إنَّ " الفاء " لا تفيد السَّبَبِيَّةَ " (٨) فإنه غيرُ(٩) مُرْضٍ، [ ودليله في غير هذا الموضع ](١٠) ومثلُ هذا المكان في كون الزَّمَخْشَرِيّ جعل شيئاً عِلَّةً، ثم جعله مَعْلولاً(١١)، كما(١٢) سيأتي إن شاء الله -تعالى- في أوَّلِ " الفتح "، ويأتي هناك جوابه.
قوله :" كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ " كَيْفَ " خبرٌ مقدَّمٌ، و " عاقبة " اسمها، ولم يُؤنَّثْ فعلْها ؛ لأنَّ تأنيثها غير حقيقي ؛ ولأنها بتأويل المآلِ والمُنْتَهَى، فإنَّ العاقبة مَصْدَرٌ على وزن " فاعلة " وهو محفوظ في ألْفَاظ تقدَّمَ ذِكْرُها وهي منتهى الشيء وما يَصيرُ إليه.
والعاقبةُ إذا أطْلِقَتْ اختصت بالثواب قال تعالى :﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وبالإضافة قد تستعمل في العُقُوبةِ كقوله تبارك وتعالى :﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُواْ السُّوأى﴾
[الروم: ١٠]، ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾
[الحشر: ١٧] فَصَحَّ أن تكون اسْتِعَارةً من ضدِّهِ كقوله تعالى :
﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
و " كَيْفَ " مُعَلِّقة للنظر، فهي في مَحَلِّ نصبٍ على إسْقَاط الخافض، لأنَّ معناه هنا التَّفَكُّرُ والتدبُّرُ. والله أعلم.
قوله :" ثُمَّ انْظُرُوا " : عطف على " سِيرُوا " ولم يجئ في القرآن العطف(٢) في مثل هذا الموضوع إلاَّ بالفاء، وهنا جاء ب " ثم " فيحتاج إلى فَرْقٍ.
فذكر(٣) الزمخشري الفرق وهو : أنْ جَعَل النَّظَرَ مُسَبَّباً عن السَّيْرِ في قوله :" فانْظُرُوا " كأنه(٤) قيل : سِيُروا لأجْلِ النظرِ، ولا تسيروا سَيْرَ الغافلين.
وهنا معناه إبَاحَةُ السَيَّرِ في الأرض للتجارة وغيرها من المَنَافِع، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبَّه على ذلك ب " ثمَّ " لِتَبَاعُدِ ما بين الواجب والمباح(٥).
قال أبو حيَّان(٦) - رضي الله عنه - : وما ذكر أوَّلاً مُتَنَاقض ؛ لأنه جعل النظر مُتَسَبِّباً عن السَّيْرِ، فكان السَّيْرُ سبباً للنَّظَرِ، ثم قال : فكأنه قيل : سيروا لأجْلِ النَّظَرِ، فجعل السَّيْرَ مَعْلُولاً بالنَّظَرِ، والنَّظَرِ سَبَبٌ له فَتَنَاقَضَا، ودعوى أن " الفاء " سببيةٌ دعوى لا دَلِيلَ عليها، وإنَّما مَعْنَاها التَّعْقِيبُ فقط، وأمَّا " زَنَى ماعِز فَرُجم " فَفَهْمُ السببية من قَرِينَةٍ غيرها.
قال :" وعلى تقدير [ تَسْلِيم ](٧) إفادتها السَّبَبَ، فَلِمَ كان السيرُ هنا سَيْرَ إباحةٍ، وفي غيره سَيْرَ إيجاب ؟ ".
وهذا اعتراض صحيح إلاَّ قوله :" إنَّ " الفاء " لا تفيد السَّبَبِيَّةَ " (٨) فإنه غيرُ(٩) مُرْضٍ، [ ودليله في غير هذا الموضع ](١٠) ومثلُ هذا المكان في كون الزَّمَخْشَرِيّ جعل شيئاً عِلَّةً، ثم جعله مَعْلولاً(١١)، كما(١٢) سيأتي إن شاء الله -تعالى- في أوَّلِ " الفتح "، ويأتي هناك جوابه.
قوله :" كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ " كَيْفَ " خبرٌ مقدَّمٌ، و " عاقبة " اسمها، ولم يُؤنَّثْ فعلْها ؛ لأنَّ تأنيثها غير حقيقي ؛ ولأنها بتأويل المآلِ والمُنْتَهَى، فإنَّ العاقبة مَصْدَرٌ على وزن " فاعلة " وهو محفوظ في ألْفَاظ تقدَّمَ ذِكْرُها وهي منتهى الشيء وما يَصيرُ إليه.
والعاقبةُ إذا أطْلِقَتْ اختصت بالثواب قال تعالى :﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وبالإضافة قد تستعمل في العُقُوبةِ كقوله تبارك وتعالى :﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُواْ السُّوأى﴾
[الروم: ١٠]، ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾
[الحشر: ١٧] فَصَحَّ أن تكون اسْتِعَارةً من ضدِّهِ كقوله تعالى :
﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
و " كَيْفَ " مُعَلِّقة للنظر، فهي في مَحَلِّ نصبٍ على إسْقَاط الخافض، لأنَّ معناه هنا التَّفَكُّرُ والتدبُّرُ. والله أعلم.
١ في ب: المتقدمة..
٢ في ب: أن العطف..
٣ في ب: ذكر. وينظر: الكشاف ٢/٨..
٤ في ب: قال..
٥ ينظر: البحر المحيط للزركشي ١/٢٧٥، البرهان لإمام الحرمين ١/٣١٣، سلاسل الذهب للزركشي ١٠٩، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/١١٤، التمهيد للإسنوي ٦١، نهاية السول له ١/٨٠، زوائد الأصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٠، التحصيل من المحصول للأرموي ١/١٧٤، المستصفى للغزالي ١/٧٥، حاشية البناني ١/٨٣، الإبهاج لابن السبكي ١/٦٠، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/١٣٨ حاشية العطار على جمع الجوامع ١/١١٣، المعتمد لأبي الحسين ١/٥، تيسير التحرير لأمير بادشاه ٢/٢٢٥، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/٢٢٥، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/١٢٣، الموافقات للشاطبي ١/١٠٩، ميزان الأصول للسمرقندي ١/١٤٥ ـ ١٤٩، الكوكب المنير للفتوحي ١٣٠..
٦ ينظر: البحر المحيط ٤/٨٥..
٧ سقط في ب..
٨ في ب: السبب..
٩ في ب: ليس..
١٠ في ب: في كتب النحو..
١١ في ب: ونظيره..
١٢ في ب: ما..
٢ في ب: أن العطف..
٣ في ب: ذكر. وينظر: الكشاف ٢/٨..
٤ في ب: قال..
٥ ينظر: البحر المحيط للزركشي ١/٢٧٥، البرهان لإمام الحرمين ١/٣١٣، سلاسل الذهب للزركشي ١٠٩، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/١١٤، التمهيد للإسنوي ٦١، نهاية السول له ١/٨٠، زوائد الأصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٠، التحصيل من المحصول للأرموي ١/١٧٤، المستصفى للغزالي ١/٧٥، حاشية البناني ١/٨٣، الإبهاج لابن السبكي ١/٦٠، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/١٣٨ حاشية العطار على جمع الجوامع ١/١١٣، المعتمد لأبي الحسين ١/٥، تيسير التحرير لأمير بادشاه ٢/٢٢٥، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/٢٢٥، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/١٢٣، الموافقات للشاطبي ١/١٠٩، ميزان الأصول للسمرقندي ١/١٤٥ ـ ١٤٩، الكوكب المنير للفتوحي ١٣٠..
٦ ينظر: البحر المحيط ٤/٨٥..
٧ سقط في ب..
٨ في ب: السبب..
٩ في ب: ليس..
١٠ في ب: في كتب النحو..
١١ في ب: ونظيره..
١٢ في ب: ما..