إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرض﴾ بعد بيانِ ما فعلت الأممُ الخالية وما فُعل بهم خوطب رسولُ الله ﷺ بإنذار قومه، وتذكيرِهم بأحوالهم الفظيعة تحذيراً لهم عما هم عليه، وتكملةً للتسلية بما في ضِمْنه من العِدَة اللطيفة بأنه سيَحيقُ بهم مثلُ ما حاق بأضرابهم الأولين، ولقد أنجَز ذلك يومَ بدرٍ أيَّ إنجازٍ، أي سيروا في الأرض لتعرِفوا أحوال أولئك الأمم ﴿ثُمَّ انظروا﴾ أي تفكروا ﴿كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين﴾ وكلمة ( ثم ) إما لأن النظر في آثار الهالكين لا يتسنّى إلا بعد انتهاء السير إلى أماكنهم، وإما لإبانة ما بينهما من التفاوت في مراتب الوجوب وهو الأظهر، فإن وجوب السير ليس إلا لكونه وسيلةً إلى النظر كما يفصح عنه العطف بالفاء في قوله عز وجل :﴿فانظروا﴾ [ سورة آل عمران : الآية ١٣٧ ] الآية، وإما أن الأمر الأول لإباحة السير للتجارة ونحوها، والثاني لإيجاب النظر في آثارهم، و( ثم ) لتُباعِدَ ما بين الواجب والمباح فلا يناسب المقام، و( كيف ) معلِّقةٌ لفعل النظر، ومحلُ الجملة النصبُ بنزع الخافض أي تفكروا في أنهم كيف أُهلكوا بعذاب الاستئصال، والعاقبة مصدرٌ كالعافية ونظائرِها، وهي منتهى الأمرِ ومآلُه، ووضعُ المكذبين موضعَ المستهزئين لتحقيق أن مدارَ إصابةِ ما أصابهم هو التكذيبُ لينزجِرَ السامعون عنه لا عن الاستهزاء فقط، مع بقاء التكذيب بحاله بناءً على توهُّم أنه المدار في ذلك.