تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتا، أي : في الضلالة، هالكًا حائرًا، فأحياه الله، أي : أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ أي : يهتدي [ به ](١) كيف يسلك، وكيف يتصرف به. والنور هو : القرآن، كما رواه العَوْفي وابن أبي طلحة، عن ابن عباس. وقال السُّدِّي : الإسلام. والكل صحيح.
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾(٢) أي : الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة، ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ أي : لا يهتدي إلى منفذ، ولا مخلص(٣) مما هو فيه، [ وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ أنه قال :" إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل " ](٤) كما قال تعالى :﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. و [ كما ](٥) قال تعالى :﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، وقال تعالى :﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤]، وقال تعالى :﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٣]. والآيات في هذا كثيرة، ووجه المناسبة في ضرب المثلين هاهنا بالنور والظلمات، ما(٦) تقدم في أول السورة :﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١].
وزعم(٧) بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان، فقيل : عمر بن الخطاب هو الذي كان ميتًا فأحياه الله، وجعل له نورًا يمشي به في الناس. وقيل : عمار بن ياسر. وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها : أبو جهل عمرو بن هشام، لعنه الله. والصحيح أن الآية عامة، يدخل فيها كل مؤمن وكافر.
وقوله تعالى :﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي : حسنا لهم ما هم فيه من الجهالة والضلالة، قدرا من الله وحكمة بالغة، لا إله إلا هو [ ولا رب سواه ](٨).
١ زيادة من أ..
٢ في م: "في الظلمات ليس بخارج منها"..
٣ في م: "ولا يخلص"..
٤ زيادة من م، أ..
٥ زيادة من م، أ..
٦ في أ: "لما"..
٧ في م: "وقد زعم".
.

٨ زيادة من م، وفي أ: "وحده لا شريك له"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى