غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿ميتاً﴾ بالتشديد : أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿رسالته﴾ بالنصب والتوحيد : ابن كثير وحفص والمفضل. الباقون :﴿رسالاته﴾ على الجمع وبالكسر في موضع النصب ﴿ضيقا﴾ وبابه بالتخفيف : ابن كثير ﴿حرجاً﴾ بكسر الراء : أبو جعفر ونافع وسهل وأبو بكر وحماد. الباقون : بالفتح ﴿يصعد﴾ من الصعود : ابن كثير ﴿يصاعد﴾ من التصاعد بإدغام التاء في الصاد : أبو بكر وحماد. الباقون :﴿يصعد﴾ بالإدغام من التصعد. ﴿يحشرهم﴾ بياء الغيبة : حفص. الآخرون بالنون.
الوقوف :﴿بخارج منها﴾ ط ﴿يعملون﴾ ه ﴿فيها﴾ ط ﴿وما يشعرون﴾ ه ﴿رسل الله﴾ ط ﴿رسالاته﴾ ط ﴿يمكرون﴾ ه ﴿للإسلام﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف. ﴿في السماء﴾ ج ﴿لا يؤمنون﴾ ه ﴿مستقيماً﴾ ط ﴿يذكرون﴾ ه ﴿يعملون﴾ ه ﴿جميعاً﴾ ج للحذف أي يحشرهم ويقول لهم مع اتحاد المقصود ﴿من الإنس﴾ الأول ج لتبدل القائل مع اتفاق الجملتين ﴿أجلت لنا﴾ ط قال النار يغلظ الصوت على النار إشارة إلى أن النار مبتدأ بعد القول وليست فاعله ﴿يشاء الله﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿يكسبون﴾ ه ﴿يومكم هذا﴾ ط ﴿كافرين﴾ ه.
ثم إنه سبحانه حكى قول أبي جهل وإضرابه «زاحمنا بني عبد مناف في الشرف إلى آخره » وقول الوليد بن المغيرة «لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً » فقال :﴿وإذا جاءتهم آية﴾ أي معجزة قاهرة أو وحي. ﴿قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾ قال الضحاك : أراد كل واحد منهم ذلك كما في الآية الأخرى :﴿بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة﴾ [المدثر: ٥٢] ويشبه أن يكون هذا الكلام الخبيث هو المراد بالمكر المذكور في الآية المتقدمة، وللمفسرين في مقترحهم قولان : أحدهما - وهو الأشهر - أنهم أرادوا أن تحصل لهم النبوَّة والرسالة كما حصلت للنبي ﷺ وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ومخدومين لا خادمين. وثانيهما عن ابن عباس والحسن أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وآله ﴿قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله :﴿حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه﴾ [الإسراء: ٩٣] من الله تعالى إلى أبي جهل وفلان وفلان فالقوم ما طلبوا النبوّة وإنما طلبوا آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين تدل على صحة نبوّة محمد ﷺ. فقوله سبحانه في جوابهم على سبيل الاستئناف ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ على القول الأول ظاهر، وأما على القول الثاني فوجهه أن القوم إذا اقترحوا تلك الآيات فلو أظهر الله تعالى تلك المعجزات على وفق التماسهم لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة. قال بعض العقلاء : الأرواح متساوية في تمام الماهية فحصول النبوّة والرسالة لبعضها دون بعض تشريف من الله تعالى وإحسان وتفضل. وقال آخرون : بل النفوس مختلفة بجواهرها وماهياتها فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة، وبعضها خبيثة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول لم تصلح لقبول الوحي والرسالة. ومراتب الرسل مختلفة فمنهم ذو معجزة واحدة وذو معجزتين أو أكثر، ومنهم من له تبع قليل ومنهم من آمن به جم غفير، ومنهم من كان الرفق غالباً عليه ومنهم من كان مدار أمره على التغليظ والتشديد. وفي الآية تعريض بأن حصول النبوّة والرسالة لا بد فيه من قلب سليم، والمقترحون فيهم من المكر والحسد ما فيهم فكيف يعقل حصول الرسالة لهم وإنما يحصل لهم ما يناسب أخلاقهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى :﴿سيصيب الذين أجرموا صغار﴾ ذل وهوان ﴿عند الله﴾ أي في الآخرة أو في الدنيا بحكم الله وإيجابه من الأسر والقتل. أو المراد من عند الله فحذف «من ». أو قوله :﴿عند الله﴾ مستأنف أي معدّ لهم ذلك، واعلم أن كمال العقاب لا بد فيه من أمرين : الضرر، والإهانة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿أو من كان ميتاً﴾ في حالة العدم ﴿فأحييناه﴾ بالحياة الحقيقية أي بالحي الذي لا يموت ﴿وجعلنا له﴾ نور الوجود الحقيقي الذي ﴿يمشي به في الناس﴾ وبه يسمع وبه يبصر ﴿كمن هو﴾ محبوس ﴿في ظلمات﴾ الطبيعة ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية﴾ أي كل قالب ﴿أكابر مجرميها﴾ من النفس والهوى والشيطان ﴿ليمكروا فيها﴾ بمخالفات الشرع وموافقات الطبع. ﴿ما أوتي رسل الله﴾ من القلب والسر والروح. ﴿يشرح صدره﴾ أي ينظر إلى قلبه بنظر العناية فينوّره بنور جماله وهو نور الإيمان، فيشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام. وهذا النور يقبل الزيادة والاشتداد إلى أن يصير الإيمان إيقاناً والإيقان عياناً والعيان عيناً. ﴿ضيقاً﴾ لتزاحم ظلمات صفات البشرية ﴿حرجاً﴾ لتعلقاته بالدنيا وشهواتها ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ لأنه سفلي بالطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر. ﴿وهذا﴾ الذي بينا من الهداية والضلالة ﴿صراط ربك﴾ باللطف والقهر فبجذبات اللطف يهدي السعيد وبسطوات القهر يضل الشقي. ﴿لهم دار السلام﴾ أي السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج عن ظلمات الاثنينية. ﴿ويوم يحشرهم﴾ في موقف القالب البشري بالحكمة البالغة والقدرة الكاملة ﴿يا معشر الجن﴾ أي الصفات الشيطانية ﴿قد استكثرتم من الإنس﴾ أي غلبتم على الصفات الإنسانية ﴿وقال أولياؤهم من الإنس﴾ يعني النفس الأمارة ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾ واستمتاع النفس الأمارة بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره على تحصيل شهواتها ولذاتها العاجلة وحظوظها، واستمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائها كما استعان بحواء على إغواء آدم. ﴿وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ يعني أن مدة الاستمتاع وما جرى بيننا إنما كان بمقتضى قضائك وقدرك فأجابهم بأن المثوى في النار أيضاً بقضاء الله ﴿إلا أن يشاء الله﴾ فيتوب عليهم ﴿إن ربك حكيم﴾ في تقدير الاستمتاع ﴿عليم﴾ بأهل الجنة وبأهل النار، ﴿وكذلك﴾ أي كما جعلنا مردة الجن والإنس بعضهم أولياء بعض فكذلك نجعل بعض الظالمين أولياء بعض بما كانوا يكسبون من إفساد الاستعداد الفطري ﴿ألم يأتكم رسل منكم﴾ يعني الإلهامات الربانية. وشهدوا على أنفسهم أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا صدأ مرآة قلوبهم
﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى﴾ [النجم: ٣٩، ٤٠] وما التوفيق إلا منه.
الوقوف :﴿بخارج منها﴾ ط ﴿يعملون﴾ ه ﴿فيها﴾ ط ﴿وما يشعرون﴾ ه ﴿رسل الله﴾ ط ﴿رسالاته﴾ ط ﴿يمكرون﴾ ه ﴿للإسلام﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف. ﴿في السماء﴾ ج ﴿لا يؤمنون﴾ ه ﴿مستقيماً﴾ ط ﴿يذكرون﴾ ه ﴿يعملون﴾ ه ﴿جميعاً﴾ ج للحذف أي يحشرهم ويقول لهم مع اتحاد المقصود ﴿من الإنس﴾ الأول ج لتبدل القائل مع اتفاق الجملتين ﴿أجلت لنا﴾ ط قال النار يغلظ الصوت على النار إشارة إلى أن النار مبتدأ بعد القول وليست فاعله ﴿يشاء الله﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿يكسبون﴾ ه ﴿يومكم هذا﴾ ط ﴿كافرين﴾ ه.
ثم إنه سبحانه حكى قول أبي جهل وإضرابه «زاحمنا بني عبد مناف في الشرف إلى آخره » وقول الوليد بن المغيرة «لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً » فقال :﴿وإذا جاءتهم آية﴾ أي معجزة قاهرة أو وحي. ﴿قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾ قال الضحاك : أراد كل واحد منهم ذلك كما في الآية الأخرى :﴿بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة﴾ [المدثر: ٥٢] ويشبه أن يكون هذا الكلام الخبيث هو المراد بالمكر المذكور في الآية المتقدمة، وللمفسرين في مقترحهم قولان : أحدهما - وهو الأشهر - أنهم أرادوا أن تحصل لهم النبوَّة والرسالة كما حصلت للنبي ﷺ وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ومخدومين لا خادمين. وثانيهما عن ابن عباس والحسن أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وآله ﴿قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله :﴿حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه﴾ [الإسراء: ٩٣] من الله تعالى إلى أبي جهل وفلان وفلان فالقوم ما طلبوا النبوّة وإنما طلبوا آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين تدل على صحة نبوّة محمد ﷺ. فقوله سبحانه في جوابهم على سبيل الاستئناف ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ على القول الأول ظاهر، وأما على القول الثاني فوجهه أن القوم إذا اقترحوا تلك الآيات فلو أظهر الله تعالى تلك المعجزات على وفق التماسهم لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة. قال بعض العقلاء : الأرواح متساوية في تمام الماهية فحصول النبوّة والرسالة لبعضها دون بعض تشريف من الله تعالى وإحسان وتفضل. وقال آخرون : بل النفوس مختلفة بجواهرها وماهياتها فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة، وبعضها خبيثة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول لم تصلح لقبول الوحي والرسالة. ومراتب الرسل مختلفة فمنهم ذو معجزة واحدة وذو معجزتين أو أكثر، ومنهم من له تبع قليل ومنهم من آمن به جم غفير، ومنهم من كان الرفق غالباً عليه ومنهم من كان مدار أمره على التغليظ والتشديد. وفي الآية تعريض بأن حصول النبوّة والرسالة لا بد فيه من قلب سليم، والمقترحون فيهم من المكر والحسد ما فيهم فكيف يعقل حصول الرسالة لهم وإنما يحصل لهم ما يناسب أخلاقهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى :﴿سيصيب الذين أجرموا صغار﴾ ذل وهوان ﴿عند الله﴾ أي في الآخرة أو في الدنيا بحكم الله وإيجابه من الأسر والقتل. أو المراد من عند الله فحذف «من ». أو قوله :﴿عند الله﴾ مستأنف أي معدّ لهم ذلك، واعلم أن كمال العقاب لا بد فيه من أمرين : الضرر، والإهانة.
﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى﴾ [النجم: ٣٩، ٤٠] وما التوفيق إلا منه.