المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذه الآية آية ذم للكفار وتوعد لهم، يقول وإذا جاءتهم علامة ودليل على صحة الشرع تشططوا وتسحبوا وقالوا : إنما يفلق لنا البحر، إنما يحيي لنا الموتى ونحو ذلك(١)، فرد الله عز وجل عليهم بقوله :﴿الله أعلم حيث يجعل رسالاته﴾ أي فيمن اصطفاه وانتخبه لا فيمن كفر وجعل يتشطط على الله، قال الزجاج : قال بعضهم : الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل المبعث مطاعين في قومهم، و ﴿أعلم﴾ معلق العمل، والعامل في ﴿حيث﴾ فعل تقديره : يعلم حيث(٢)، ثم توعد تعالى بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند الله صغار وذلة، و ﴿عند الله﴾ متعلقة ب ﴿سيصيب﴾، ويصح أن تتعلق ب ﴿صغاراً﴾ لأنه مصدر، قال الزجّاج : التقدير صغار ثابت عند الله، قال أبو علي : وهو متعلق ب ﴿صغار﴾ دون تقدير ثابت ولا شيء غيره.
١ - أي: طلبوا المستحيل وعلقوا إيمانهم على ممتنع وقصدوا بذلك أنهم لا يؤمنون أبدا. قال أبو حيان: "وقولهم: [رسل الله] ليس فيه إقرار بالرسل من الله، وإنما قالوا ذلك على سبيل التهكم والاستهزاء، ولو كانوا موقنين وغير معاندين لاتبعوا رسل الله" أي: لو كانوا يؤمنون بهؤلاء الرسل لاتبعوهم..
٢ - ذلك لأنه لا يجوز أن يعلم [أعلم] في [حيث] ويكون ظرفا، لأن المعنى على ذلك يكون: الله أعلم في هذه المواضع، وذلك لا يجوز أن يوصف به الباري سبحانه وتعالى، ولهذا عمل في [حيث] فعل مقدر دل عليه [أعلم]. قاله العلماء، قال الحوفي: [حيث] لا يمكن إقرارها على الظرفية هنا، لأنه تعالى لا يكون في مكان أعلم منه في مكان، وإذا لم تكن ظرفا كانت مفعولا على السعة، و[أعلم] لا يعمل في المفعولات، فيكون العامل فيه فعل دلّ عليه [أعلم]. نقله في "البحر" عن الحوفي..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى