اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج﴾ في نصبه ستة أوجه :
أحسنها : أن يكُون بدلاً من " حملوة وفَرْشاً " لولا ما نَقَله الزَّجَّاج من الإجماع المُتقدِّم، ولكن ليس فيه أنَّ ذلك مَحْصُور في الإبل، والقَوْل بالبدلِ هو قَوْل الزَّجَّاج(١) والفرَّاء(٢).
والثاني : أنه مَنْصُوب ب " كُلُوا " الذي قَبْلَه أي : كُلُوا ثمانية أزْوَاج، ويكون قوله- تعالى- :﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا﴾ إلى آخره كالمُعَتَرِض بين الفِعْل ومَنْصُوبه، وهو قول عَلِيّ بن سُلَيْمَان وقدَّرَه : كُلُوا لَحْم ثَمَانِية.
وقال أبو البَقَاء - رحمه الله(٣)- : هو مَنْصُوب ب " كُلُوا " تقديره : كلوا مِمَّا رزقَكُم اللَّه ثمانية أزْوَاج، " ولا تسرفوا " مُعْتَرِض بَيْنَهُما.
قال شهاب الدَّين(٤) : صوابه أن يقول :" ولا تَتَّبعُوا " بدل " ولا تُسْرفُوا " ؛ لأن كُلُوا - الذي يَلِيه " ولا تُسْرِفوا " - ليس مُنْصَبًّا على هذا ؛ لأنه بعيد منه، ولأن بَعْده ما هو أوْلَى منه بالعمل، ويحتمل أن يَكُون الناسخ غَلَط عَلَيْه، وإنما قال هو :" ولا تَتَّبِعُوا " ؛ ويدل على ذلك أنه قال :" تقديره : كُلُوا ممَّا رَزَقكُم اللَّه " و " كُلُوا " الأوَّل ليس بَعْدَه " ممَّا رَزقكُم "، إنما هو بَعْد الثَّاني.
الثالث : أنه عَطْف على " جَنَّاتٍ " أي : أنْشَا جنات وأنشأ ثَمَانِية أزْوَاج، ثم حُذِفَ الفِعْل وحَرْف العَطْفِ ؛ وهو مذهب الكسَائِيّ.
قال أبو البقاء(٥) :" وهو ضعيف ".
قال شهاب الدين(٦) : الأمْر كذلك وقد سُمِع ذلك في كلامهم نَثْراً ونَظْماً : ففي النثر قوله :" أكلتُ لَحْماً سمَكاً تَمْراً " وفي نَظْمِهِم قول الشاعر :[ الخفيف ]
كَيْفَ أصْبحْتَ كَيْف أمْسَيْتَ مِمَّايَزْرَعُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَرِيم(٧)
أي : أكلت لَحْماً وسمكاً وتمراً، وكيف أصْبَحْت وكيف أمْسَيْت، وهذا على أحَدِ القولين في ذلك.
والقول الثاني : أنه بدل بداء ؛ ومنه الحديث :" إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلّي الصَّلاة، وما كُتِبَ له نِصْفُهَا ثلثُهَا رُبْعُها " إلى أنْ وَصَلَ إلى العُشْرِ(٨).
الرابع : انه مَنْصُوبٌ بفعل مَحْذُوفٍ مدلول عليه بما في اللَّفْظِ، تقديره : كُلُوا ثمانية أزْوَاج ؛ وهذا أضْعَفُ مما قبله.
الخامس : أنه مَنْصُوب على الحالِ، تقديره : مُخْتَلفة أو متعدِّدَة، وصاحب الحال :" الأنْعَام " فالعَامِل في الحال ما تعلَّق به الجَارُّ وهو " مِنْ "
السادس : أنه مَنْصُوب على البدل من محلِّ " مِمَّا رَزَقَكُم اللَّه ".

فصل في بيان كلمة " زَوْج "


الوَاحِد(٩) إذا كان وحده فهو فَرْد، وإذا كان مَعَهُ غيره من جِنْسِه سُمِّي زَوْجاً وهما زَوْجَان ؛ قال – تعالى - :﴿خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى﴾ [النجم: ٤٥] وقال :" ثمانِيَة أزْوَاج " ثم فَسَّرها بقوله :" من الضَّأنِ اثْنَيْنِ ومِن المَعْزِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ ".
قال القرطبي(١٠) : والزَّوْج : خلاف الفَرْد ؛ يقال : زَوْج أو فَرْد كما يقال خَساً أو ذَكاً، شفع، أو وتر، فقوله :" ثَمَانِيَة أزْواجِ " يعني ثمانية أفراد وكُلُّ فرد عنه العرب يحتاج إلى آخر يُسَمَّى زوجاً، يقال للذكر : زوج وللأنثى زَوْجٌ، ويقع لَفْظُ الزَّوْج للواحد والاثْنَيْن، يقال : هما زَوْجَان وهما : زوْجٌ ؛ كما يقال : هما سِيَّان وهما سَوَاء، وتقول : اشْتَرْيت زَوْجَيْ حَمَام وأنت تعني : ذكراً وأنْثَى.
قوله :" مِنَ الضَّأنِ اثْنَيْن " في نصب " اثْنَيْنِ " وجهان :
أحدهما : أنه بَدَلٌ من " ثَمَانِيَة أزْوَاج " وهو ظَاهِر قول الزَّمَخْشَري(١١) ؛ فإنه قال : والدَّلِيلُ عليه " ثَمَانِيَة أزْوَاجٍ " ثم فسَّرها بقوله :" مِنَ الضَّأنِ اثْنَيْنِط الآية ؛ وبه صرح أبُو البقاءِ(١٢) فقال :" واثْنيْنِ بدل من الثَّمانية وقد عُطِف عَلَيْه بقيَّة الثمانِية ".
والثاني : أنه مَنْصُوب ب " أنْشَأ " مقدَّراً ؛ وهو قول الفَارِسيِّ و " مِنْ " تتعلَّق بما نَصَب " اثْنَيْنِ ".
والجُمْهُور(١٣) على تسْكِين همزة " الضَّأن " وهو جَمْع ضَائِن وضائنه ؛ كتاجِرٍ وتارجة وتَجْر، وصَاحِبٍ وصَاحِبَة وصَحْب، وراكب ورَكْب.
وقرأ الحسن وطلحة بن مُصَرِّف وعيسى بن عمر :" الضَّأن " بفتحها ؛ وهو إمَّا جمع تكْسِير لضَائِنٍ ؛ كما يقال : خَادِم وخَدَم، وحَارِس وحَرَس، وطالِب وطَلَب، وإما اسْمُ جمعٍ، ويجمع الضَّأنُ على ضَئِين ؛ كما يقال : كَلْب وكَلِيبٌ ؛ قال القائل :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . فبذّت نبلهُم وكليبُ(١٤)
وقيل : الضّئين والكليب اسما جمع، ويقال : ضِئين بكسر الضاد، وكأنها إتباع لكسر الهمزة ؛ نحو : بعير وشِعير بكسر الباء والشين لكسر العين، و " الضأن " معروف وهو ذو الصّوف من الغنم، و " المَعز " : ذو الشَّعر منها.

فصل فيما يقال في الجمع من النَّعم ونحوه


قال الجوهري : يقال : صِرمةٌ من الإبل، وقطيع من الغنم، وكوكبة من الفرسان، وكبكبة من الرجال، وخرقة من الغلمان، ولمّ " ة من النساء، ورعيلٌ من الخيل، وسرب من الظّباء، وعرجلة من السباع، وعصابة(١٥) من الطير، ورَجل من الجراد وحشرمٌ من النخل.
وقال غيره : يقال أيضا : سرب من القطا.
قال الشاعر في ذلك :[ الطويل ]
أسِرْبَ القَطَا هَلْ مَنْ يُعِيرُ جَنَاحَهُلَعَلَّي إلى أرْضِ الحَبيبِ أطِير(١٦)
وقرا أبان بن عُثْمَان : اثنان بالرَّفْع على الابتداء، والخَبَر الجَارُّ قَبْلَه، وقرأ ابن(١٧) كثير وأبو عمرو وابنُ عامر :" المَعَز " بفتح العين والباقون بسُكُونِها، وهما لُغَتَان في جَمْع مَاعِز، وقد تقدَّم أن فَاعِلاً يجمع على فَعْلٍ تارة، وعلى فَعَل أخرى ؛ كتَاجِر وتَجْر وخَادِم وخَدْم، وتقدَّم تحقيقه، ويُجْمَع أيضاً على مِعْزَى وبها قرأ أبَيٌّ، قال امْرُؤ القيس :[ الوافر ]
ألا إنْ لا تَكُنْ إبلٌ فَمِعْزَىكَأنَّ قُرُونَ جِلَّتِهَا العصِيُّ(١٨)
وقال أبو زَيْد : إنه يَجْمَع على أمْعُوزٍ ؛ وأنشد :[ الكامل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .كالتِّيْسِ فِي أمْعُوزِهِ المُتَرَبِّل(١٩)
ويُجْمَع أيضاً على مَعْيز ؛ وأنْشَدُوا لامرئ القيس :[ الوافر ]
ويَمْنَحُهَا بَنُوا شَمَجَى بْنِ جَرْمٍمَعِيزَهُم حَنَانَكَ ذَا الحَنَانِ(٢٠)
قال القُرْطُبِيُّ(٢١) : والمعْزُ من الغَنَمِ خلاف الضَّأنِ، وهي ذَوَات الأشْعَار والأذْنَاب القَصَار، وهو اسم جِنْسٍ، وكذلك المَعَزَ والمعيزُ والأمعُوز والمِعْزى، وواحد المَعْزَ، ماعز ؛ مثل صَاحِب وصَحْبٍ، والأنْثى ماعِزَة وهي العنز والجَمع مَوَاعِز، وأمْعز القَوْمُ : كثرت مَعْزَاهُم، والمعّاز : صَاحِبُ المِعْزى والمَعَز : الصَّلابة من الأرْضِ، والأمْعَز : المكان الصُّلب الكَثِير الحَصَى، والمعزاء أيضاً، واستمعز الرَّجُل في أمْر، جَدَّ.
١ ينظر: معاني القرآن ٢/٣٢٨..
٢ ينظر: معاني القرآن ١/٣٥٩..
٣ ينظر: الإملاء ١/٢٦٣..
٤ ينظر: الدر المصون ٣/٢٠١ ـ ٢٠٢..
٥ ينظر: الإملاء ١/٢٦٣..
٦ ينظر: الدر المصون ٣/٢٠٢..
٧ تقدم..
٨ أخرجه أحمد (٤/٣٢١) وأبو داود (٧٩٦) وابن حبان (٥٢٨ ـ موارد) من حديث عمار بن ياسر. وصححه ابن حبان..
٩ ينظر: الرازي ١٣/١٧٧..
١٠ ينظر: القرطبي ٧/٧٥..
١١ ينظر: الكشاف ٢/٧٣..
١٢ ينظر: الإملاء ١/٢٦٣..
١٣ ينظر: المحتسب ١/٢٣٤. الدر المصون ٣/٢٠٢..
١٤ تقدم..
١٥ في أ: عقابه..
١٦ نسب البيت للمجنون، وللعباس بن الأحنف، ينظر: ديوان الأول ص ١٠٦، وديوان الثاني ص ١٦٨، وتخليص الشواهد ص ١٤١، والدرر ١/٣٠٠، وشرح التصريح ١/١٣٣، والمقاصد النحوية ١/٤٣١، وأوضح المسالك ١/١٤٧، وشرح الأشموني ١/٢٦٩، وشرح ابن عقيل ص ٨٠، ٨١..
١٧ ينظر: النشر ٢/٢٦٦ إتحاف فضلاء البشر ٢/٣٦ إعراب القراءات ١/١٧٢. السبعة ٢٧١ الحجة لأبي زرعة ٢٧٥ الحجة لابن خالويه (١٥٢) التبيان ١/٥٤٤ الدر المصون ٣/٢٠٣..
١٨ تقدم..
١٩ عجز بيت لربيعة بن مقروم الضبي وصدره:
أخلصته صنعا فاغن مُحملجاً..............
ينظر: الدر المصون ٣/٢٠٣ النوادر (٧٧)..

٢٠ ينظر: ديوانه ١٤٣، المقتضب ٣/٢٢٤، مجاز القرآن ٢/٢، التهذيب ٣/٤٤٧ (حن)، اللسان (حنن)، الدر المصون ٣/٢٠٣..
٢١ ينظر: القرطبي ٧/٧٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى