كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ ؛ أي آباؤُنا من قبلِنا الذين اسْتَنَنَّا بهم، ﴿وَلاَ حَرَّمْنَا﴾ ؛ على أنفسِنا ؛ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ ؛ من الحرْثِ والأنعام، ولكنه شَاءَ لنا الشِّرْكَ والتحريمَ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿كَذالِكَ كَذَّبَ﴾ ؛ أي قالَ ؛ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ ؛ أي هكذا كَذبَ الذين مِنْ قبلِهم رُسُلَهُمْ كما كَذبَ قومُك، ﴿حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا﴾ ؛ أي عذابَنا. من قرأ (كَذلِكَ كَذبَ الَّذِينَ) بالتخفيفِ ؛ فمعناهُ : كما كَذبَ قومُك على اللهِ ؛ كذلك كَذبَ مَن قبلَهم من الأُمَمِ الخالية على اللهِ ؛ حتى ذاقُوا عذابَنا.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ﴾ ؛ أي قل لَهم يا مُحَمَّد : هَلْ عندَكم من عِلْمٍ من بَيَانٍ وحُجَّةٍ غير ما في القُرْآنِ ؛ فَبَيِّنُوهُ لَنَا، ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ ؛ يعني ظَنَّهُمْ في تحريمِ البَحِيْرَةِ والسَّائِبَةِ وَالْوَصِيْلَةِ وَالْحَامِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ ؛ ما أنتم إلاَّ تَكْذِبُونَ على اللهِ.
قال المشركون : لو شاءَ الله ما أشْرَكْنَا، على وجهِ الاستهزاء ؛ فكذبَهم اللهُ في ذلك، وإنْ كانت المشيئةُ حقّاً كما في سورة (المنافقون) :﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾[المنافقون: ١] فكذبَهم الله في قولِهم : إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ ؛ وإن كان ذلك حَقّاً ؛ لأنَّهم قالوا على وجهِ الاستهزاء.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ عطفٌ على الْمُضْمَرِ المتَّصل ؛ معناهُ : ما أشْرَكْنَا نحنُ ولا آباؤنا. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ بعضَهم قال : إنَّ مشيئةَ المعاصي إذا أُضيفت إلى اللهِ تعالى كان معناها الْخُذْلاَنَ مجازاةً لَهم على سُوءِ أفعالِهم، وإصرارهم على المعصيةِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى