الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿بَلْ بَدَا﴾ :" بل " هنا لانتقالٍ من قصة إلى أخرى وليست للإِبطالِ، وعبارةُ بعضهم توهم أن فيها إبطالاً لكلام الكفرة فإنه قال :" بل " رَدٌّ لِما تمنَّوه، أي : ليس الأمر على ما قالوه لأنهم لم يقولوا ذلك رغبةً في الإِيمان، بل قالوه إشفاقاً من العذاب وطمعاً في الرحمة. قال الشيخ :" ولا أدري ما هذا الكلام ؟ ". قلت : ولا أدري ما وَجْهُ عدمِ الدراية منه ؟ وهو كلام صحيح في نفسه، فإنهم لمَّا قالوا : يا ليتنا كأنهم قالوا تمنَّيْنا، ولكن هذا التمنِّيَ ليس بصحيح، لأنهم إنما قالوه تقيَّةً، فقد يتمنى الإِنسان شيئاً بلسانه وقلبه فارغ منه. وقال الزجَّاج " بل " هنا استدراكٌ وإيجابُ نفي كقولهم : ما قام زيد بل قام عمرو ". قال الشيخ :" ولا أدري ما النفيُ الذي سَبَق حتى توجَبه " بل " ؟ قلت : الظاهرُ أنَّ النفي الذي أراده الزجاج هو الذي في قوله :﴿وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ إذا جعلناه مستأنفاً على تقدير : ونحن لا نكذِّبُ، والمعنى : بل إنهم مُكَذِّبون.
وفاعلُ " بدا " قوله :﴿مَّا كَانُواْ﴾ و " ما " يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً وهو الظاهر، أي : ظهر لهم الذي كانوا يُخْفونه. والعائد محذوف. ويجوز أن تكونَ مصدريةً، أي ظهر لهم إخفاؤهم، أي : عاقبته، أو أُطْلِق المصدرُ على اسم المفعول، وهو بعيد، والظاهر أن الضميرين : أعني المجرورَ والمرفوعَ في قوله ﴿بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ﴾ عائدان على شيء واحد، وهم الكفار أو اليهود والنصارى خاصة، وقيل : المجرورُ للأتباع والمرفوعُ للرؤساء، أي : بل بدا للأتباع ما كان الوجهاء المتبعون يُخْفُونه.
قوله :﴿وَلَوْ رُدُّواْ﴾ قرأ الجمهور بضم الراء خالصاً. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وإبراهيم :" رِدُّوا " بكسرها خالصاً. وقد عَرَفْتَ أن الفعلَ الثلاثي المضاعف العين واللام يجوز في فائه إذا بُني للمفعول ثلاثة الأوجه المذكورة في فاء المعتل العين إذا بُني للمفعول نحو : قيل وبيع، وقد تقدَّم ذلك. وقال الشاعر :
وما حِلَّ مِنْ جهلٍ حُبا حُلمائِناولا قائلُ المعروف فينا يُعَنَّفُ
بكسر الحاء.
قوله :﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ تقدَّم الكلام على هذه الجملة : هل هي مستأنفة أو راجعة إلى قوله ﴿يا ليتنا﴾ ؟

تفسير هذه الآية من كتب أخرى