اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
اعلم أنَّا إذا قلنا : المراد من الآية المُتقدِّمَةِ إقَامَةُ الدليل على وجود الصَّانِع القادر المُخْتَارِ، فالمُرادُ من هذه الآية إقامَةُ الدليل على كونه عَالِماً بجميع المَعْلُومَاتِ ؛ لأنها تَدُلُّ على كمالِ العلم.
وإن قلنا : المراد من الآية المُتقدِّمةِ إقامَةُ الدليل على صِحِّة المَعَادِ، فالمقصود من هذه الآية تكميل(١) ذلك البيان ؛ لأنَّ مُنكِري المعاد إنَّما يُنْكِرُونَهُ لأمرين :
أحدهما : أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ المؤثّر في حدوث بَدَن الإنسان هو امْتِزَاجُ الطَّبائِعِ، وإنْ سلَّموا كون المؤثّر فيه قَادِراً مختاراً، فإنَّهم يَقُولُونَ : إنِّهُ [ غير ](٢) عالم بالجزئيات، فلا يمكنه تَمْييزُ المُطيعِ من العَاصِيِ، ولا تمييز أجزاء بَدَنِ زيد عن أجْزاءِ بَدَن عمرو(٣).
قوله :﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ في هذه الآية أقْوالٌ كثيرة، وقد لُخِّصتْ في اثْنَيْ عشر وَجْهاً(٤) ؛ وذلك أن " هو " فيه قولان :
أحدهما : هو ضمير اسم الله -تعالى- يعودُ على ما عَادَتْ عليه الضَّمائِرُ قبله.
الثاني : أنَّهُ ضميرُ القِصَّةِ، قال أبو عليٍّ.
قال أبو حيَّان(٥) : وإنَّما فرَّ إلى هذا ؛ لأنه لو أعاده على اللَّهِ لَصَارَ التقديرُ : اللَّهُ اللَّهُ، فتركَّب الكلام من اسمين مُتَّحِدَيْنِ لفظاً ومعنى لا نِسْبَةَ بينهما إسنادية.
قال شهابُ الدين(٦) : الضَّميرُ إنما هو عَائِدٌ على ما تقدَّمَ من المَوْصُوفِ بتلك الصِّفات الجليلة، وهي خَلْقُ السماوات والأرض، وجعل الظُّلُماتِ والنُّور، وخَلْق النَّاس من طين إلى آخرها، فصَارَ في الإخبار بذلك فَائِدَةٌ من غير شَكِّ، فعلى قولِ الجُمْهُورِ يكون " هو " مبتدأ، و " اللَّهُ " خبره، و " في السماوات " متعلقٌ بنفس الجلالة لمَّا تَضمَّنَتْهُ من معنى العِبَادةِ، كأنَّهُ قيل : وهو المَعْبُود في السماوات، وهذا قول الزَّجَّاج(٧)، وابن عطيَّة(٨)، والزمخشري(٩).
قال الزَّمخشري :" في السماوات " متعلِّقٌ بمعنى اسم اللَّهِ، كأنَّهُ قيل : هو المَعْبُود فيها، ومنه :﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَه﴾ [ لزخرف : ٨٤ ] أو هو المعروف بالإلهية والمتوحد بالإلهيّة فيها، أو هو الذي يُقَالُ له " اللَّه " [ لا يشركه في هذا الاسم غيره.
وقال شهابُ الدين(١٠) : إنما قال : أو هو المَعْرُوفُ، أو هو الذي يُقال له : اللَّهُ ؛ ](١١) لأنَّ الاسم الشَّريف تقدَّم فيه خلافٌ، هل هو مُشْتَقٌّ أوْ لاَ(١٢) ؟ فإن كان مُشْتقاً ظَهَرَ تعلُّق الجَارِّ بِهِ، وإنْ كان لَيْسَ بمشتقٍّ، فإمَّا أن يكون مَنْقُولاً أو مُرْتَجَلاً، وعلى كلا التقديرين فلا يعمل ؛ لأنَّ الأعلامَ لا تعمل، فاحْتَاجَ أن يتأوّل ذلك على كل قول(١٣) من هذه الأقوال الثلاثة.
فقوله :" المَعْبُود " راجعٌ للاشتقاقِ، وقوله :" المَعْرُوف " راجع لكونه عَلماً مَنْقُولاً، وقوله :" الَّذي يُقَال له : اللَّهُ " راجع إلى كونه مُرْتجلاً، وكأنه - رحمه الله - اسْتَشْعَرَ بالاعتراض المذكور.
والاعْتِراضُ مَنْقُولٌ عن الفَارسيِّ.
قال :" وإذا جَعَلْتَ الظَّرْفَ متعلّقاً باسم اللَّهِ جَازَ عندي على قياس مَنْ يقول : إنَّ الله أصْلُه " الإله " ومن ذَهَبَ بهذا الاسم مذهب الأعلامِ وجب ألاَّ يتعلَّق به " عنده " إلاَّ أنْ تُقدِّر فيه ضَرْباً من معنى الفِعْلِ "، فكأنه الزمخشري - والله أعلم - أخَذَ هذا من قول الفَارِسِيّ وبسطه، إلاَّ أنَّ أبا البقاءِ(١٤) نقل عن أبي عليّ أنه لا يتعلَّقُ " في " باسم اللَّهِ ؛ لأنَّه صار بدخول الألف واللام، والتغيير(١٥) الذي دخله كالعلم، ولهذا قال تعالى :﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥] فظاهرُ هذا النقل أنه يمنعُ التعلُّق به وإنْ كاني في الأصْلِ مُشْتَقاً.
وقال الزَّجَّاج(١٦) :" وهو مُتَعَلِّقٌ بما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللهِ من المَعاني، كقولك : أميرُ المؤمنين الخَلِيفَة في المَشْرِق والمغْرِبِ ".
قال ابن عطيّة(١٧) :" هذا عندي أفْضَلُ الأقوالِ، وأكثرها إحْرَازاً لفَصَاحَةِ اللَّفْظِ، وجَزَالَةِ المعنى.
وإيضاحُهُ أنَّهُ أراد أنْ يَدُلَّ على خَلْقِهِ وآثَارِ قُدْرتِهِ وإحاطتِهِ واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذه كُلَّها في قوله :" وَهُوَ اللَّهُ " ؛ أي : الذي له هذه كُلُّها في السماوات، وفي الأرضِ كأنه قال : وهو الخالق، والرازق، والمحيي، والمحيط في السماوات وفي الأرض كما تقول : زيد السُّلطانُ في " الشام " و " العراق "، فلو قصدت ذات زَيْدٍ لكان مُحَالاً، فإذا كان مَقْصِدُ قولك [ : زيد ](١٨) الآمر النّ‍اهي الذي يُوَلِّي ويَعْزلُ كان فَصِيحاً صَحِيحاً، فأقمت(١٩) السَّلطَنَةَ مَقَامَ هذه الصِّفَاتِ، كذلك في الآية الكريمة أقَمْتَ " الله " مقام تلك الصِّفات ".
قال أبو حيَّان(٢٠) : ما ذكره الزَّجَّاجُ، وأوضحه ابن عطيَّةَ صحيحٌ من حيث المعنى، لكنَّ صَنَاعَةَ النحو لا تُسَاعِدُ عليه ؛ لأنهما زَعَمَا أن " في السماوات " متعلِّقٌ باسم الله ؛ لما تَضَمَّنَهُ من تلك المعاني، ولو صَرَّحَ بتلك المعاني لم تَعْمَلْ فيه جَمِيعُهَا، بل العَمَلُ من حيث اللفظُ لواحد منها، وإن كان " في السماوات " متعلّقاً بجميعها من حيث المعنى، بل الأولى أن يتعلَّق بلفظ " اللّه " لما تَضَمَّنَهُ من معنى الألُوهِيَّة، وإن كان عَلَماً ؛ لأن العَلَمَ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ لما يتضمّنه من المعنى كقوله :[ الرجز ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .أنَا أبُو المِنْهَالِ بَعْضَ الأحْيَانْ(٢١)
لأنَّ " بَعْضَ " نُصِبَ بالعَلَمِ ؛ لأنَّه في معنى أنا المشهور.
قال شهاب الدين(٢٢) :[ قوله ](٢٣) :" لو صُرِّحَ بها لم تَعْمَلْ " ممنوع، بل تعمل ويكون عَمَلُهَا على سبيل التَّنَازُع، مع أنه لو سَكَتَ عن الجواب لكان واضحاً. ولما ذكر أبو حيَّان ما قاله الزَّمخْشَريُّ قال(٢٤) :" فانظر كيف قدّرَ العامِلَ فيها واحِداً لا جميعها ".
يعني : أنَّهُ اسْتنْصَرَ به فيما ردَّ على الزَّجَّاج، وابن عطية.
الوجه الثاني : أن " في السماوات " متعّلق بمحذوفٍ هو صِفَةٌ لله تعالى حُذِفت لفهم المَعْنَى، فقدَّرها بعضهم : وهو الله المعبود، وبعضهم : وهو اللَّهُ المُدَبِّرُ، وحذفُ الصِّفة قليلٌ جداً لم يَرِدْ منه إلاَّ مواضع يسيرة على نَظَرٍ فيها، فمنها ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦] أي : المعاندون، ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] أي : النَّاجين، فلا ينبغي أن يُحْمَلَ هذا عليه.
الوجه الثالث : قال النَّحَّاس(٢٥) - وهو أحْسَنُ ما قيل فيه - : إنَّ الكلام تَمَّ عند قوله :" وَهُوَ اللِّهُ " والمَجْرُور متعلِّقٌ بمفعول " يَعْلَمُ "، وهو " سِرَّكم وجَهْرَكُم " أي : يَعْلَمُ سِرَّكُم، وجَهْرَكُم فيهما. وهذا ضعيفٌ جداً لما فيه من تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المصدرِ عليه، وقد عرف ما فيه.
الوجه الرابع : أنَّ الكلامَ تَمَّ أيضاً عند الجلالةِ، ويتعلِّق الظرفُ بنفس " يَعْلَمُ " وهذا ظاهِرٌ، و " يَعْلَمُ " على هذين الوَجْهَيْنِ مُسْتَأنَفٌ.
الوجه الخامس : أنَّ الكلامَ تَمَّ عند قوله :" في السماوات " فيتعلَّق " في السماوات " باسم الله على ما تقدَّمَ، ويتعلَّقُ " في الأرض " ب " يعلم " وهو قول الطَّبِري.
وقال أبو البقاء(٢٦) :" وهو ضعيفٌ ؛ لأنَّ اللَّهَ -تعالى- مَعْبودٌ في السماوات وفي الأرض، ويَعْلمُ ما في السماوات، وما في الأرض، فلا تتخصَّصُ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ بأحَدِ الظرفين ". وهو رَدٌ جميلٌ.
الوجه السادس : أنَّ " في السماوات " متعلِّقٌ محذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من " سِرَّكم "، ثُمَّ قُدِّمَتِ الحالُ على صَاحبهَا، وعلى عاملها.
السابع : أنه متعلّق ب " يَكْسِبُونَ "، وهذا فَاسِدٌ من جهة أنه يَلْزَمُ منه تقديم مَعْمُولِ الصِّلةِ على الموصول ؛ لأن " ما " مَوْصُولةٌ اسمية، أو حرفيةٌ، وأيضاً فالمُخَاطبُونَ كيف يكسبون في السماوات ؟ ولو ذهب هذا القائلُ إلى أنَّ الكلام تَمَّ عند قوله :" في السماوات " وعلّق " في الأرض " ب " يَكْسِبونَ " لسَهُل الأمْرُ من حيث المعنى لا من حَيْثُ الصناعةُ.
الوجه الثامن : أنَّ " الله " خَبَرٌ أوَّلُ، و " في السماوات " خبر ثانٍ.
قال الزمخشري(٢٧) :" على معنى : أنَّه الله(٢٨)، وأنَّهُ في السماوات وفي الأرض، وعلى معنى : أنَّهُ عالمٌ بما فيهما لا يَخْفَى عليه شيءٌ، كأنَّ ذَاتَهُ فيهما ".
قال أبو حيَّان(٢٩) :" وهذا ضعيفٌ ؛ لأن المجرور ب " في " لا يّدُلُّ على كونٍ مُقَيَّدٍ، إنما يَدُلُّ على كونٍ مُطْلَقٍ، وتقدَّم جوابه مراراً ".
الوجه التاسع : أنْ يكون " هو " مبتدأ، و " اللَّهُ " بَدَلٌ منه، و " يَعْلَمُ " خبره و " في السماوات " على ما تقدَّم.
الوجه العاشر : أنْ يكون " اللًّهُ " بَدَلاً أيضاً، و " في السماوات " الخبرُ بالمعنى الذي قاله الزمخشري.
الحادي عشر : أنَّ " هو " ضمير الشَّأنِ في مَحَلِّ رفع بالابتداء، والجلالةُ مبتدأ ثانٍ، وخبرها " في السماوات " بالمعنى المتقدَّمِ، أو " يَعْلَمُ "، والجملة خبر الأول مفسرة له وهو الثاني عشر.
وأمَّا " يَعْلَمُ " فقد عرفت(٣٠) من تَفَاصِيلِ ما تقدَّمَ أنَّه يَجُوزُ أن يكون مُسْتَأنَفاً، فلا مَحَلَّ له، أو في مَحَلِّ رفع خبراً، أو في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال، و " سِرَّكم وجَهْرَكم " : يجوز أن يَكُونَا على بابهما من المَصْدَرِيّة، ويكونان مضافين إلى الفاعل.
وأجاز أبو البَقَاء(٣١) أن يكونا وَاقِعَيْنِ موقع المفعول به، أي : مُسَرَّكم ومجهوركم، واسْتَدَلَّ بقوله تعالى :﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] ولا دَلَيلَ فيه، لأنه يجوز " ما " مصدرية وهو الألْيَقُ لمُنَاسَبَةِ المصدرين قبلها، وأن تكون بمعنى " الذي ".

فصل في معنى الآية


" وهو الله في السماوات والأرض " كقوله :﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤].
وقيل : هو المعبود في السماوات والأرض.
وقال محمد بن جرير(٣٢) : معنيان : وهو اللَّهُ يعلمُ سرّكم وجهركم في السماوات والأرض، يعلمُ ما تَكْسِبُونَ من الخيرِ والشَّر.

فصل في شبه إنكار الفوقية


استدلَّ القائلون بأنَّ الله في السماوات بهذه الآية.
قالوا : ولا [ يلزمنا ](٣٣) أن يقال : فيلزم أن يكون في الأرض لقوله :" وفي الأرض " وذلك يقتضي حُصُولَهُ في مكانين مَعاً، وهو مُحَالٌ ؛ لأنَّا نقول : أجمعنا على أنه لَيْسَ مَوْجُوداً في الأرْضِ، ولا يَلْزمُ من ترك العَمَل بأحد الظَّاهرين ترك العملِ بالظَّاهر الآخر من غير دليلٍ، فوجبَ أن يبقى قوله :﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَات﴾ على ظاهره ولأن من القراء من وقف عند قوله :﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَات﴾، ثم يبتدئ فيقول :{ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِر
١ في ب: تكمل..
٢ سقط في ب..
٣ ينظر: الرازي ١٢/١٢٨..
٤ ينظر: البحر المحيط ٤/٧٧. والدر المصون ٤/٦..
٥ ينظر: البحر المحيط ٤/٧٧..
٦ ينظر: الدر المصون ٣/٦..
٧ معاني القرآن ٢/٢٥٠..
٨ المحرر الوجيز ٢/٢٦٩..
٩ الكشاف ٢/٥..
١٠ الدر المصون ٣/٦..
١١ سقط في ب..
١٢ تقدم من الكلام على البسملة الخلاف في ذلك..
١٣ في ب: قولين..
١٤ ينظر: الإملاء ١/٢٣٥..
١٥ في أ: النص..
١٦ معاني القرآن ٢/٢٥٠..
١٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢٦٧..
١٨ زيادة من المحرر الوجيز اقتضاها السياق..
١٩ في ب: فأقمت هذه..
٢٠ البحر المحيط ٤/٧٧..
٢١ البيت لأبي المنهال.
ينظر: لسان العرب (أين)، الخصائص ٣/٢٧٠، الدرر ٥/٣١٠، شرح شواهد المغني ٣/٨٤٣، مغني اللبيب ٢/٤٣٤، ٥١٤، همع الهوامع ٢/١١٧، الشيرازيات ٢/٢٧٤. الدر المصون ٣/٧..

٢٢ الدر المصون ٣/٧..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ ينظر: البحر المحيط ٤/٧٨..
٢٥ ينظر: إعراب القرآن ١/٥٣٦..
٢٦ الإملاء: ١/٢٣٥..
٢٧ ينظر: الكشاف ٢/٥..
٢٨ في ب: الله قادر..
٢٩ ينظر: البحر المحيط ٤/٧٨..
٣٠ في ب: علمت..
٣١ ينظر: الإملاء ١/٢٣٥..
٣٢ ينظر بتصرف الطبري ٥/١٤٨..
٣٣ سقط في أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى