التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة فى الآيتين السابقتين على أنه هو المستحق للعبادة والحمد، وعلى أن يوم القيامة حق، جاءت الآية الثالثة لتصفه - سبحانه بأنه هو صاحب السلطان المطلق فى هذا الكون فقال - تعالى - :﴿وهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾.
أى : أنه - سبحانه - هو المعبود بحق فى السموات والأرض، العليم بكل شىء فى هذا الوجود، الخبير بكل ما يكسبه الإنسان من خير أو شر فيجازيه عليه بما يستحقه.
والضمير " هو " الذى صدرت به الآية يعود إلى الله - تعالى - الذى نعت ذاته فى الآيتين السابقتين بأنه هو صاحب الحمد المطلق، وخالق السموات والأرض، وجاعل الظلمات والنور، ومنشىء الإنسان من طين، وأنه لذلك يكون مختصاً بالعبادة والخضوع.
وقوله - تعالى - :﴿وَهُوَ الله﴾ جملة من متبدأ وخبر، معطوفة على ما قبلها، سيقت لبيان شموال ألوهيته لجميع المخلوقات.
قال أبو السعود : وقوله ﴿فِي السماوات وَفِي الأرض﴾ متعلق بالمعنى الوصفى الذى ينبىء عنه الاسم الجليل إما باعتبار اصل اشتقاقه وكونه علما للمعبود بالحق، كأنه قيل : وهو المعبود فيهما. وإما باعتبار أنه اسم اشتهر به الذات من صفات الكمال، فلوحظ معه منها ما يقتضيه المقام من المالكية حسبما تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة، فعلق به الظرف من تلك الحيثية فصار كأنه قيل : هو المالك أو المتصرف المدبر فيهما، كما فى قوله - تعالى - :﴿وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله﴾ وجملة ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ تقرير لمعنى الجملة الأولى لأن الذى استوى فى علمه السر والعلن هو الله وحده. ويجوز أن تكون كلاما مبتدأ بمعنى : هو يعلم سركم وجهركم، أو خبراً ثانيا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى