مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا﴾ الدابر التابع للشيء من خلفه كالولد للوالد يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبورا ودبرا إذا كان آخرهم. قال أمية بن أبي الصلت :
وقال أبو عبيدة : دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم. وقال الأصمعي الدابر الأصل يقال قطع الله دابره أي أذهب الله أصله. وقوله :﴿والحمد لله رب العالمين﴾ فيه وجوه : الأول. معناه أنه تعالى حمد نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم لأن ذلك كان جاريا مجرى النعمة العظيمة على أولئك الرسل في إزالة شرهم عن أولئك الأنبياء. والثاني : أنه تعالى لما علم قسوة قلوبهم لزم أن يقال : إنه كلما ازدادت مدة حياتهم ازدادت أنواع كفرهم ومعاصيهم، فكانوا يستوجبون به مريد العقاب والعذاب فكان إفناؤهم وإماتتهم في تلك الحالة موجبا أن لا يصيروا مستوجبين لتلك الزيادات من العقاب فكان ذلك جاريا مجرى الإنعام عليهم، والثالث : أن يكون هذا الحمد والثناء إنما حصل على وجوه إنعام الله عليهم في أن كلفهم وأزال العذر والعلة عنهم ودبرهم بكل الوجوه الممكنة في التدبير الحسن، وذلك بأن أخذهم أولا بالبأساء والضراء، ثم نقلهم إلا الآلاء والنعماء، وأمهلهم وبعث الأنبياء والرسل إليهم، فلما لم يزدادوا إلا أنهما كافي الغي والكفر، أفناهم الله وطهر وجه الأرض من شرهم، فكان قوله ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ على تلك النعم الكثيرة المتقدمة.
| فاستؤصلوا بعذاب حص دابرهم | فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا |