المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض﴾ الآية ﴿فتنا﴾ معناه في هذه الآية : ابتلينا، فابتلاء المؤمنين بالمشركين هو ما يلقون منهم من الأذى، وابتلاء المشركين بالمؤمنين هو أن يرى الرجل الشريف من المشركين قوماً لا شرف لهم قد عظمهم هذا الدين وجعل لهم عند نبيه قدراً ومنزلة، والإشارة بذلك إلى ما ذكر من طلبهم أن يطرد الضعفة و ﴿ليقولوا﴾ معناه ليصير بحكم القدر أمرهم إلى أن يقولوا، فهي لام الصيرورة كما قال تعالى :﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾(١) أي ليصير مثاله أن يكون لهم عدواً وقول المشركين على هذا التأويل ﴿أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا﴾ هو على جهة الاستخفاف والهزء ويحتمل الكلام معنى آخر وهو أن تكون اللام في ﴿ليقولوا﴾ على بابها في لام ( كي ) وتكون المقالة منهم استفهاماً لأنفسهم ومباحثة لها وتكون سبب إيمان من سبق إيمانه منهم، فمعنى الآية على هذا التأويل وكذلك ابتلينا أشراف الكفار بضعفاء المؤمنين ليتعجبوا في نفوسهم من ذلك ويكون سبب نظر لمن هدي.
قال القاضي أبو محمد : والتأويل الأول أسبق والثاني يتخرج، و[ منّ ] على كلا التأويلين إنما هي على معتقد المؤمنين، أي هؤلاء منّ الله عليهم بزعمهم أن دينهم منة، وقوله ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ أي يا أيها المستخفون أو المتعجبون على التأويل الآخر ليس الأمر أمر استخفاف ولا تعجب، فالله أعلم بمن يشكر نعمته والمواضع التي ينبغي أن يوضع فيها فجاء إعلامهم بذلك في لفظ التقدير إذ ذلك بين لا تمكنهم فيه معاندة(٢).
١ - من الآية (٨) من سورة (القصص)..
٢ - الاستفهام في قوله سبحانه: ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾؟ معناه التقرير والرد على القائلين: ﴿أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا﴾. ولفظ الشكر هنا في غاية من الحسن، إذ قد تقدم في قولهم "منّ" بمعنى أنعم فناسب الإنعام لفظ الشكر..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى