الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ : الهاء في " به " تعود على العذاب المتقدم في قوله ﴿عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قاله الزمخشري، وقيل : تعود على القرآن، وقيل : تعود على الوعيد المتضمن في هذه الآيات المتقدمة. وقيل : على النبي ﷺ، وهذا بعيدٌ لأنه خوطب بالكاف عَقِيبَه، فلو كان كذلك لقال :" وكذَّب به قومك، وادِّعاء الالتفات فيه أبعدُ وقيل : لا بد من حذف صفة هنا أي : وكذَّب به قومك المعاندون، أو الكافرون، لأن قومه كلهم لم يكذِّبوه كقوله :﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، أي : الناجين. وحَذْفُ الصفة وبقاءُ الموصوف قليل جداً بخلاف العكس. وقرأ ابن عبلة.
﴿وكَذِّبَتْ﴾ بتاء التأنيث، كقوله تعالى :﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [القمر: ٣٣]. باعتبار الجماعمة
قوله :﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ في هذه الجملةِ وجهان، الظاهر منهما : أنها استئناف، والثاني : أنها حال من الهاء في " به " أي : كذَّبوا به في حال كونه حقاً، وهو أعزم في القبح.
قوله :﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بما بعده وهو توكيد وقدَّم لأجل الفواصل، ويجوز أن يكون حالاً من قوله " بوكيل " ؛ لأنه لو تأخر لجاز أن يكون صفةً له، وهذا عند مَنْ يُجيز تقديمَ الحال على صاحبها المجرور بالحرف وهو اختيار جماعة، وأنشدوا عليه :
غافلاً تُعْرَضُ المَنِيَّةُ للمَرْءِ فيُدْعَى ولات حين إباءُ
فقدَّم " غافلاً " على صاحبها وهو " المرء " وعلى عاملها وهو " تُعرض " فهذا أَوْلى. ومنه :
لَئِنْ كان بَرْدُ الماءِ هَيْمانَ صادياًإليَّ حبيباً إنها لحبيبُ
أي : إليَّ هيمان صادِياً، ومثله :
فإن يك أذوادٌ أُصِبْنَ ونسوةٌفَلَنْ يذهبوا فَرْغاً بقتل حبالِ
" فرغاً " حال من " بقتل " و " حبال " بالمهملة اسم رجل، مع أن حرف الجر هنا زائدة فجوازه أولى من ما ذكرنا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى