زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً﴾ فيهم قولان :
أحدهما : أنهم الكفار. والثاني : اليهود والنصارى.
وفي اتخاذهم دينهم لعبا ولهوا، ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه استهزاؤهم بآيات الله إذا سمعوها.
والثاني : أنهم دانوا بما اشتهوا، كما يلهون بما يشتهون.
والثالث : أنهم يحافظون على دينهم إذا اشتهوا، كما يلهون إذا اشتهوا. قال الفراء : ويقال : إنه ليس من قوم إلا ولهم عيد، فهم يلهون في أعيادهم، إلا أمة محمد ﷺ، فان أعيادهم صلاة وتكبير وبر وخير.

فصل : ولعلماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، قولان :


أحدهما : أنه خرج مخرج التهديد، كقوله :﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ [المدثر: ١١] فعلى هذا، هو محكم، وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد.
والثاني : أنه اقتضى المسامحة لهم والإعراض عنهم، ثم نسخ بآية السيف ؛ وإلى هذا ذهب قتادة، والسدي.
قوله تعالى :﴿وَذَكّرْ بِهِ﴾ أي : عظ القرآن. وفي قوله :﴿أَن تُبْسَلَ﴾ قولان :
أحدهما : لئلا تبسل نفس، كقوله :﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦].
والثاني : ذكرهم إبسال المبسلين بجناياتهم لعلهم يخافون. وفي معنى ﴿تُبْسَلَ﴾ سبعة أقوال :
أحدها : تُسْلَم، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، والسدي. وقال ابن قتيبة : تُسْلَم إلى الهلكة. قال الشاعر :
وإبسالي بني بغير جرمبعوناه ولا بدم مراق
أي : بغير جرم أجرمناه ؛ والبعو : الجنابة. وقال الزجاج : تسلم بعملها غير قادرة على التخلص. والمستبسل : المستسلم الذي لا يعلم أنه يقدر على التخلص.
والثاني : تفضح، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث : تدفع، رواه الضحاك عن ابن عباس. والرابع : تهلك، روي عن ابن عباس أيضا. والخامس : تحبس وتؤخذ، قاله قتادة، وابن زيد. والسادس : تجزى، قاله ابن السائب، والكسائي.
والسابع : ترتهن، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة : ترتهن وتسلم ؛ وأنشد :
هنالك لا أرجو حياة تسرنيسمير الليالي مبسلا بالجرائر
سمير الليالي : أبد الليالي. فأما الولي : فهو الناصر الذي يمنعها من عذاب الله. والعدل : الفداء. قال ابن زيد : وإن تفتد كل فداء لا يقبل منها. فأما الحميم، فهو الماء الحار. قال ابن قتيبة : ومنه سمي الحمام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى