اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :" فَلَمَّا جَنَّ " يجوز أن تكون هذه الجملة نَسَقاً على قوله :" وإذْ قاَلَ إبْرَاهِيمُ " عطفاً للدليل على مدلوله، فيكون " وكَذلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ " معترضاً كما تقدم، ويجوز أن تكون مَعْطُوفَةً على الجملة من قوله :" وكَذلِكَ نُري إبراهيم ".
قال ابن عطيَّة(١) :" الفاء " في قوله :" فَلَمَّا " رَابِطَةٌ جملة ما بعدها بما قبلها، وهي ترجح أن المراد بالملكوت التَّفْضِيلُ المذكور في هذه الآية، والأوَّل أحسن، وإليه نحا الزمخشري(٢).
و " جَنَّ " : سَتَرَ وقد تقدم اشْتِقَاقُ هذه المادة عند ذكر ﴿الْجَنَّةَ﴾
[البقرة: ٣٥] وهنا خصوصية لذكر الفِعْلِ المسند إلى الليل يقال : جَنَّ عليه الليل، وأجن عليه بمعنى : أظْلَمَ فيستعمل قاصراً، وجَنَّةُ وأجَنَّةُ، فيستعمل متعدياً فهذا مما اتفق فيه فَعَلَ وأفْعَلَ لزوماً وتعدياً إلا أن الأجْوَدَ في الاستعمال جَنَّ عليه الليل، وأجنه الليل، فيكون الثلاثيّ لازماً وأفعل متعدياً.
ومن مجيء الثلاثي متعدياً قوله :[ المتقارب ]
وَمَاءٍ وَرَدْتُ قُبَيْلَ الكَرَىوَقَدْ جَنَّهُ السَّدَفُ الأدْهَمُ(٣)
ومصدره جَنٌّ وجنان وجنون.
وفرق الرَّاغِبُ(٤) بين " جَنَّه " و " أجَنَّه "، فقال : جنه إذا سترَهُ، وأجنه جعل له ما يجنه، كقولك : قَبَرْتُهُ وأقْبَرتُهُ، وسَقَيْتُهُ وأسْقَيْتُهُ وقد تقدم لك شيء من هذا عند ذكر " حزن " و " أحزن " [البقرة: ٣٨] ويحتمل أن يكون " جنَّ " في الآية الكريمة متعدياً حذف المفعول فيها، تقدير : جَنَّ عليه الأشْيَاء والمبصرات.
قوله :" رَأى كَوْكَباً " هذا جواب " لمَّا "، وللقراء فيه وفيما بعده من الفعلين خلافٌ كبير بالنسبة إلى الإمالةِ وعدمها، وتلخيصه أن " رأى " الثابت الألف فأمال رَاءَهُ وهمزته إمالة مَحْضَة(٥) الأخوان، وأبو بكر عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأمال الهمزة منه فقط دون الراء أبو عَمْرٍو وبكماله، وأمال السوسي بخلاف عنه عن ابن عَمْرٍو الراء أيضاً، فالسوسي في أحد وَجْهَيْهِ يوافق الجماعة المتقدمين، وأمال وَرْشٌ الراء والهمزة بَيْنَ بَيْنَ من هذا الحرف، حيث وقع هذا كله ما لم يَتِّصِلْ به ضمير نحو ما تقدم، فأما إن اتَّصَلَ به ضمير نحو :
﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿فَلَمَّا رَآهَا﴾ [النمل: ١٠] ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، فابن ذكوان عنه وجهان، والباقون على أصولهم المتقدمة.
وأما " رأى " إذا حذفت ألفه فهو على قسمين : قسم لا تعود فيه ألبتة لا وَصْلاً ولا وَقْفاً، نحو :﴿رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ﴾ [الفرقان: ١٢]
﴿رَأَوُاْ الْعَذَابَ﴾ [يونس: ٥٤] فلا إمالة في شيء منه، وكذا ما انقلبت ألفه ياءً نحو :﴿رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠].
وقِسْمٌ حُذِفَتْ أله لالتِقَاءِ السَّاكنين وصْلاً، وتعود وَقْفاً نحو :
﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾ [الأنعام: ٧٧] ﴿رَأَى الشَّمْسَ﴾ [الأنعام: ٧٨] ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣] ﴿وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [النحل: ٨٥] فهذا فيه خلاف أيضاً بين أهل الإمالة اعتباراً باللفظ تارة، وبالأصل أخرى، فأمال الراء وحدها من غير خلاف حمزة وأبو بكر عن عَاصِمٍ والسُّوسي بخلاف عنه وحده، وأما الهمزة فأمَالَهَا مع الراء أبو بكر والسُّوسي بخلاف عنهما، هذا كله إذا وصلت، أما إذا وقفت فإن الألف تَرْجِعُ لعدم المُقْتَضِي لِحَذْفِهَا، وحكم هذا الفعل حينئذ حكم ما لم يَتَّصِلْ به سَاكِنٌ فيعود فيه التَّفْصِيلُ المُتقدِّم، كما إذا وقفت على " رأى " من نحو :
﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾ [الأنعام: ٧٧]. فأمَّا إمالة الرَّاء من " رأى " فلإتباعها لإمالة الهمزة، هكذا عبارتهم، وفي الحقيقة الإمالة إنما هي الألف لانْقِلابها عن الياء، والإمالة أن تنحي بالألف نحو الياء وبالفتحة قبلها نحو الكسرة، فمن ثمَّ صحَّ أن يقال : أميلت الراء لإمالة الهمزة، وأما تفصيل ابن ذَكْوَانَ بالنسبة إلى اتِّصالِهِ بالضمير وعدمه، فوَجْهُهُ أن الفعل لما اتَّصَلَ بالضمير بعدت ألفه عن الظَّرْفِ، فلم تُمَلْ.
ووجه من أمال الهمزة في " رَأى القَمَرَ " مُرَاعَاة للألف وإن كانت محذوفة، إذ حذفها عَارِضٌ، ثم منهم من اقْتَصَرَ على إمالة الهمزة ؛ لأن اعتبار وُجُودهَا ضعيفٌ، ومنهم من لم يَقْتَصِرْ أعطى لها حكم الموجودة حَقِيقَةً، فأتبع الراء للهمزة في ذلك.
والكوكب : النجم، ويقال فيه كَوْكَبَةٌ.
وقال الراغب(٦) :" لا يقال فيه أي في النجم : كوكب إلا عند ظُهُوره ". وفي اشتقاقه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه من مادة " وَكَبَ " فتكون الكَافُ زائدةً، وهذا القول قاله الشيخ رضي الدين الصَّغاني(٧) قال رحمه الله تعالى :" حق كَوْكَب أن يُذكَرَ في مادة " وَكَبَ " عند حُذَّاق النحويين، فإنها وردَتْ بكاف زائدةٍ عندهم، إلا أنَّ الجوهري(٨) أوردها في تركيب " ك و ك ب " ولعلَّه تبع في ذلك اللَّيْثَ، فإنه ذكره في الرباعي ذاهباً إلى أن الواو أصْلِيَّةٌ ". فهذا تصريح من الصَّغَاني بزيادة الكاف، وزيادة الكاف عند النحويين لا يجوز، وحروف الزيادة مَحْصُورةٌ في تلك العشرة، فأما قولهم :" هِنْدِيُّ وهِنْدِكيّ " بمعنى واحدٍ، وهو المنسوب إلى " الهند "، وقول الشاعر :[ الطويل ]
ومُقْرَبَةٍ دُهْمٍ وَكُمْتٍ كَأنَّهَاطَمَاطِمُ مِنْ فَوْقِ الوِفَازِ هَنَادِكُ(٩)
فظاهره زيادة الكاف، ولكن خَرَّجَهَا النحويون على أنه من باب " سبط وسبطر " أي : مما جاء فيه لَفْظَان، أحدهما أطول من الآخر، وليس بأصْلٍ له، فكما لا يُقَالُ : الراء زائدة باتِّفاقٍ، كذلك هذه الكاف، وكذلك قال أبو حيَّان :" وليت شعري، من حُذَّاق النحويين الذين يَرَوْنَ زيادتها لاسيَّما أول الكلمة ".
والثاني : أن الكلمة كُلَّهَا أصُولٌ رباعية مما كُرِّرَتْ فيها الفاء، فوزنها فَعْفَل ك " فَوْفَل " وهو بناء قليل.
والثالث : ساق الرَّاغب(١٠) أنه من مادة : كَبَّ وكَبْكَبَ، فإنه قال : والكَبْكَبَةُ تَدَهْوُرُ الشيء في هُوَّة، يقل : كَبَّ وكَبْكَبَ، نحو : كَفَّ وكَفْكَفَ، وصرَّ الريح وصَرْصَرَ.
والكواكب النجوم البادية، فظاهر هذا السِّياقِ أن الواو زائدة، والكاف بَدَلٌ من إحدى الياءين وهذا غريب جداً.
قوله :" قال هذا ربي " في " قال " ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه استئناف أخبر بذلك القول، أو استفهم عنه على حسب الخلاف.
والثاني : أنه نعت ل " كَوْكَباً " فيكون في محلِّ نصب، وكيف يكون نعتاً ل " كوكباً " ولا يساعد من حَيْثُ الصِّناعةِ، ولا من حيث المعنى ؟ أما الصِّناعةُ فلعدم الضمير العائد من الجملة الواقعة صِفَةً إلى موصوفها، ولا يقال : إن الرابط حَصَلَ باسم الإشارة ؛ لأن ذلك خَاصٌّ بباب المبتدأ والخبر، ولذلك يكثر حَذْفُ العائد من الصِّفة، ويقلُّ من الخبر، فلا يَلْزَمُ من جوازِ شيء في هذا جوازُهُ في شيء، وادِّعاء حذف ضمير بعيد، أي قال فيه : هذا رَبَّي، وأمَّا المعنى فلا يُؤدِّي إلى أن التَّقدير : رأى كوكباً مُتَّصِفاً بهذا القَوْلِ، وذلك غير مراد قطعاً.
والثالث : أنه جوابُ " فَلَمَّا جَنَّ " وعلى هذا فيكون قوله :" رأى كوْكَباً " في محل نصْبٍ على الحال، فلما جَنَّ عليه الليل رائياً كوكباً و " هذا ربِّي " مَحْكِيٌّ بالقول، فقيل : هو خبر مَحْضٌ بتأويل ذكره أهْلُ التفسير.
وقيل : بل هو على حَذْفِ همزة الاستفهام، أي : أهذا ربي، وأنشدوا :[ الطويل ]
لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي وَإنْ كُنْتُ دَارِياًبِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمَانِ(١١)
وقوله :[ المنسرح ]
أفْرَحُ أرْزَأ الكِرَامَ وَأنْأورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبَلاَ
وقوله :[ الطويل ]
طَرِبْتُ وَمَا شَوْقاً إلى البِيضِ أطْرَبُوَلاَ لَعِباً مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ(١٢)
وقوله :﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] قالوا : تقديره أبسبع ؟ وأأفرح ؟ وأذو ؟ وأتلك ؟
قال ابنُ الأنْبَارِيّ :" وهذا لا يجوز إلا حَيْثُ يكون ثمَّ فاصلٌ بين الخبر والاستفهام، إن دلَّ دليل لفظي كوجود " أم " في البيت الأول، بخلاف ما بعده ". والأفُولُ : الغَيْبَةُ والذَّهَابُ ؛ يقال : أفَلَ يأفُلُ أفُولاً.
قال ذو الرمة :[ الطويل ]
مَصَابِيحُ لَيْسَتْ باللَّوَاتِي تَقُودُهَانُجُومٌ ولا بالآفلاتِ شُمُوسُهَا(١٣)
والإفَالُ : صِغَارُ الغَنَم.
والأفيلُ : الفَصِيلُ الضَّئِيلُ.

فصل في بيان رؤية الملك


قال أكثر المفسرين : أن مَلِكَ ذلك الزَّمانِ رأى رُؤيا وعبرها المعبرون بأنه يُوَلدُ غلام يكون هلاكُ مُلْكِهِ على يَدَيْهِ، فأمر بذبح كُلِّ غلام يُولدُ، فحملت أمُّ إبراهيم به، وما أظهرت حَمْلَهَا للناس، فلما جاءها الطَّلْقُ ذَهَبَتْ إلى كَهْفٍ في جَبَلٍ، ووضعت إبراهيم - عليه السلام - وسدَّت الباب بِحَجَرٍ فجاء - جبريل - عليه السلام - ووضع أصْبَعَهُ في فَمِهِ، فخرج منه رِزْقُهُ، وكان يتعَهَّدُهُ جبريل - عليه السلام - وكانت الأمُّ تأتيه أحياناً تُرْضِعُهُ، وبقي على هذه الصفة حتى كَبِرَ وعَقِلَ، وعرف أنه له رَبّاً، فسأل أمه فقال لها : مَنْ رَبي ؟ قالت : أنا، فقال : ومَنْ رَبُّك ؟ قالت : أبوك فقال : ومن رَبُّ أبي ؟ فقالت : مَلِكُ البلد.
فعرف إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - جَهَالتها بربها، فنظر من باب ذلك الغارِ ليرى شيئاً يَسْتَدِلُّ به على وجود الرَّبِّ -سبحانه وتعالى- فرأى النَّجْمَ الذي كان هو أضْوَءَ نجم في السماء(١٤).
فقيل : كان المشتري، وقيل : كان الزهرة، فقال : هذا ربِّي إلى آخر القِصَّةِ.
ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فمنهم من قال : هذا كان بعد البُلُوغِ، ومنهم من قال : كان هذا قَبْلَ البُلُوغِ والتكليف، واتَّقَقَ أكثر المحققين(١٥) على فَسَادِ هذا القول.
وقالوا : لا يجوز أن يَكُونَ لله رَسُولٌ يأتي عليه وَقْتٌ من الأوْقَاتِ إلا وهو مُوَحِّدٌ به عارف، ومن كُلِّ معبود سواه بَرِيءٌ، وكيف يتوهَّمُ هذا على من عَصَمَهُ الله وطَهَّرَهُ وآتاه رُشدَهُ من قَبْلُ، وأخبر عنه فقال تعالى :﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤].
وأراه ملكوت السماوات والأرض، أفتراه أراه الملكُوتَ ليُوقِنَ ؟ فلما أيْقَن رأى كوكباً قال :" هذا ربي " معتقداً فهذا لا يكون أبداً.
واحتجوا بوجوه :
أحدها : أن القول بِرُبُوبيَّةِ الجماد كُفْرٌ بالإجماع(١٦)، والكفر لا يجوز على الأنْبِيَاءِ - عليهم الصلاة والسلام - بالإجماع.
والثاني : أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان قد عرف رَبَّهُ قَبْل هذه الواقعة بالدليل ؛ لأنه أخبر عنه أنه قال قَبل هذه الواقعة لأبيه آزر ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤].
الثالث : حكي عنه أنه دعا أباه إلى التَّوحيد، وتَرْكِ عبادة الأصْنامِ بالرِّفْقِ حيث قال :{ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣١٢..
٢ ينظر: الكشاف ٢/٤٠..
٣ البيت لعامر بن سدوس أو للبريق الهذلي أو لعياض بن خويلد الخناعي، ينظر: ديوان الهذليين ٣/٥٦، اللسان (سدف)، البحر ٤/١٦٧، الدر المصون ٣/١٠٤..
٤ ينظر: المفردات ٩٨..
٥ ينظر: السبعة ٢٦٠، والنشر ٢/٤٤، والحجة ٢٥٦..
٦ ينظر: المفردات ٤٢٠..
٧ ينظر: التكملة والذيل ١/٢٦١..
٨ ينظر: الصحاح ١/٢١٣..
٩ البيت لكثير عزة ينظر: ديوانه ص (٣٤٧)، سر صناعة الإعراب ١/٢٨١، لسان العرب (هند)، الممتع في التصريف ١/٢٠٢. الدر المصون ٣/١٠٥..
١٠ ينظر: المفردات ٤٢٠..
١١ تقدم..
١٢ تقدم..
١٣ ينظر: ديوانه (٤٢٥) اللسان (دلك)، مجاز القرآن ١/١٩٩، الدر المصون ٣/١٠٦..
١٤ ينظر: الرازي ١٣/٣٩..
١٥ ينظر: المصدر السابق..
١٦ ينظر: الرازي ١٣/٣٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى