تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى : وما عظموا الله حق تعظيمه، إذ كذبوا رسله إليهم، قال ابن عباس، ومجاهد، وعبد الله بن كثير : نزلت في قريش. واختاره ابن جرير، وقيل : نزلت في طائفة من اليهود ؛ وقيل : في فنحاص رجل منهم، وقيل : في مالك بن الصيف.
﴿قَالُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ والأول هو الأظهر ؛ لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش - والعرب قاطبة - كانوا يبعدون إرسال رسول من البشر، كما قال [ تعالى ](١) ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ [ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ](٢) [يونس: ٢]، وقال تعالى :﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا * قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنزلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٤، ٩٥]، وقال هاهنا :﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الله تعالى :﴿قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ ؟ أي : قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة :﴿مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ يعني : التوراة التي قد علمتم - وكل أحد - أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران نورًا وهدى للناس، أي : ليستضاء بها في كشف المشكلات، ويهتدى بها من ظلم الشبهات.
وقوله :﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾(٣) أي : يجعلها حَمَلَتُهَا(٤) قراطيس، أي : قِطَعًا يكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرفون فيها ما يحرفون ويبدلون ويتأولون، ويقولون :﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]، أي : في كتابه المنزل، وما هو من عند الله ؛ ولهذا قال :﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾
وقوله :﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ أي : ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك أنتم ولا آباؤكم.
قال قتادة : هؤلاء مشركو العرب. وقال مجاهد : هذه للمسلمين.
وقوله :﴿قُلِ اللَّهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : أي : قل : الله أنزله. وهذا الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه الكلمة، لا ما قاله بعض المتأخرين، من أن معنى ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي : لا يكون خطاب لهم إلا هذه الكلمة، كلمة :" الله ".
وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمرًا بكلمة مفردة من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد(٥) في لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها.
وقوله :﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي : ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون، حتى يأتيهم من الله اليقين فسوف يعلمون(٦) ألهم العاقبة، أم لعباد الله المتقين ؟.
١ زيادة من أ..
٢ زيادة من أ..
٣ قال ابن الجوزي في زاد المسير (٣/٨٤): "قرأ ابن كثير وأبو عمرو: "يجعلونه في قراطيس يبدونها" و"يخفون" بالياء فيهن، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء فيهن". والظاهر أن الحافظ ابن كثير اعتمد على القراءة الأولى..
٤ في أ: "تجعلها جملتها".
.

٥ في م: "لا تفيد"..
٦ في أ: "يلعبون"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى