غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿يجعلونه﴾ ﴿يبدونها﴾ و﴿يخفون﴾ بياءات الغيبة : أبو عمرو وابن كثير، الباقون : على الخطاب ﴿ولينذر﴾ بياء الغيبة : أبو بكر وحماد. الباقون : بتاء الخطاب ﴿بينكم﴾ بفتح النون : أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل. الباقون : بالرفع ﴿وجعل الليل﴾ على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون ﴿وجاعل الليل﴾ على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة ﴿وجنات﴾ بالرفع : الأعشى والبرجمي الباقون : بالنصب ﴿فمستقر﴾ بكسر القاف : أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب. الباقون : بالفتح ﴿ثمره﴾ بضمتين : حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس. الباقون : بفتحتين ﴿وخرقوا﴾ بالتشديد : أبو جعفر ونافع. الباقون : بالتخفيف.
الوقوف :﴿من شيء﴾ ط ﴿كثيراً﴾ ط لمن قرأ ﴿يجعلونه﴾ بياء الغيبة. ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم ﴿آباؤكم﴾ ط ﴿قل الله﴾ ط لأن قوله ﴿ذرهم﴾ معطوف على ﴿قل﴾ ﴿يلعبون﴾ ه ﴿ومن حولها﴾ ط ﴿يحافظون﴾ ه ﴿أنزل الله﴾ ط ﴿أيديهم﴾ ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا ﴿أنفسكم﴾ ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة ﴿تستكبرون﴾ ه ﴿ظهوركم﴾ ج لاتحاد القول. والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم ﴿شركاء﴾ ط ﴿تزعمون﴾ ه ﴿والنوى﴾ ط ﴿من الحي﴾ ط ﴿تؤفكون﴾ ه ﴿فالق الإصباح﴾ ج لمن قرأ ﴿وجعل﴾ لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق ﴿حسباناً﴾ ط ﴿العليم﴾ ه ﴿والبحر﴾ ط ﴿يعلمون﴾ ه ﴿ومستودع﴾ ط ﴿يفقهون﴾ ه ﴿ماء﴾ ج للعدول مع اتحاد المقصود ﴿متراكباً﴾ ط ومن قرأ ﴿وجنات﴾ بالرفع فللعطف على ﴿قنوان﴾ لفظاً فيلزمه وقفه على ﴿دانية﴾ وإلا فليعطف ويفهم أن ﴿جنات﴾ من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على ﴿متراكباً﴾ جائز للعطف على قوله ﴿خضراً﴾ مع وقوع العارض ﴿وغير متشابه﴾ ط ﴿وينعه﴾ ط ﴿يؤمنون﴾ ه ﴿بغير علم﴾ ط ﴿يصفون﴾ ه.
ثم لما ذكر حال التوراة أعقبه بذكر القرآن فقال ﴿وهذا كتاب أنزلناه﴾ وفائدة هذا الوصف أنه كان من الممكن أن يظن أن محمداً مخصوص من الله بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب القرآن على هذا النسق من الفصاحة، فنفى ذلك الوهم وبين أن الله هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل عليه السلام ﴿مبارك﴾ كثير خيره دائم نفعه باعث على الخيرات زاجر عن المنكرات لما فيه من أصول العلوم النظرية والعملية. وقد جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه والمتمسك به يفوز بعز في الدنيا وسعادة في الآخرة وقد جرب فوجد كذلك. ﴿مصدق الذي بين يديه﴾ أي موافق لما قبله من الكتب الإلهية. أما في الأصول فلأنه يمتنع وقوع التفاوت فيها بحسب الأزمنة والأمكنة، وأما في الفروع فلأنها مشتملة على التبشير بمقدم محمد ﷺ. ويحصل منه أن التكاليف الموجودة فيها إنما تبقى إلى وقت ظهوره ثم تصير منسوخة ﴿ولتنذر﴾ من قرأ بتاء الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فلأنه أسند الإنذار إلى الكتاب مجازاً لأنه سبب الإنذار ﴿إنما أنذركم بالوحي﴾ [الأنبياء: ٤٥] وهو معطوف على ما دل عليه سائر الأوصاف كأنه قيل : أنزلناه للبركة ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار، قال ابن عباس : سميت مكة أم القرى لأن الأرضين دحيت من تحتها. وقال أبو بكر الأصم : لأنها قبلة أهل الدنيا فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعاً، وأيضاً الناس يجتمعون إليها للحج وللتجارة كما يجتمع الأولاد إلى الأم. وقيل : لأن الكعبة أول بيت وضع للناس. وقيل : إن مكة أول بلدة في الأرض ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي أهل أم القرى ومن حولها. قيل : المراد أهل جزيرة العرب فاستدل اليهود بذلك على أنه مبعوث إلى العرب فقط. وأجيب بأن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على نفي ما عداها لاسيما وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى العالمين. ويحتمل أن يقال : ما حوالي مكة يتناول جميع البلاد ﴿والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به﴾ أي بهذا الكتاب لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خالفها لم يزل به الخوف حتى يؤمن. وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير قاعدة البعث والقيامة مثل محمد ﷺ، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث والحشر ﴿وهم على صلاتهم يحافظون﴾ يعني أن الإيمان بالآخرة كما أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على محافظة الصلوات. وخص الصلاة بالذكر لأنها عماد الدين وسنام الطاعات كاد المحافظ عليها أن يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ حين أنكروا إنزال الكتب والبعثة على أنهم لو اعترفوا بذلك أيضاً لم يعرفوه حق معرفته لأن المحاط لا يحيط بالمحيط. نعم تزداد معرفته بازدياد معرفة أوصافه ﴿تجعلونه قراطيس﴾ أي في القراطيس، وما يجعلونه في قلوبهم بالتخلق بأخلاقه ﴿وعلمتم﴾ بتعليم محمد ﷺ ﴿ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ كقوله ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ [البقرة: ١٥١] ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سراً بسر وإضماراً بإضمار، والذي علم النبي هو الله وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بأخلاقه، وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب ﴿مصدق الذي بين يديه﴾ لأنه يصدق حقائق جميع ما في الكتب ﴿ولتنذر أم القرى﴾ وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وقد دحيت جميع أرض القلب من تحتها ﴿ومن حولها﴾ من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوّروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه. ﴿والذين يؤمنون بالآخرة﴾ فيستعملون الأدوات والآلات في أمور الدنيا والآخرة لا في الدنيا الفانية وشهوات النفس وهواها ﴿يؤمنون﴾ بالقرآن ﴿وهم على صلاتهم﴾ بالترقي في صفاتهم إلى التخلق بأخلاق القرآن يداومون، فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ بإظهار المواجد والحالات رياء ومراء من غير أن يكون له منها نصيب، ﴿أو قال أوحي إليّ﴾ الإشارات ولم يلهم نفسه شيئاً منها، ومن قال متشدّقاً متفيهقاً سأتكلم بمثل كلام الله من الحقائق والأسرار فتظهر مضرة ظلمة وافترائه عند سكرات الموت، وانقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس عن القالب كرهاً لتعلقها بالشهوات واللذات وطلب الرياسات، ويكون شدة النزع والهوان بحسب التعلقات ﴿ولقد جئتمونا فرادى﴾ عن الدنيا وما يتعلق بها، أو فرادى عن تعلقات الكونين ﴿كما خلقناكم أوّل مرة﴾ في أوّل خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب. ﴿وتركتم﴾ بالتجريد عن الدنيا وبالتفريد عن الدنيا والآخرة ﴿ما خولناكم﴾ من تعلق الكونين ﴿وراء ظهوركم وما نرى معكم﴾ الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله ﴿لقد تقطع بينكم﴾ وبينها عند انتهاء سيركم كما انتهى سير جبريل عند سدرة المنتهى، وحينئذ لا يصل إلى الوحدة إلا بجذبة
﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله بالله ونفى السدرة وهو يقول ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿إن الله فالق﴾ حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحق في الدارين. وأيضاً يخرج نخل الإيمان الحق من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله ﴿فالق الإصباح﴾ فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات. وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل البشرية ستراً عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية ﴿والشمس والقمر حسباناً﴾ يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب. وأيضاً تجلى شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة «أنا الحق وسبحاني» وفي تفريطه آفة «أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى». ﴿ذلك تقدير العزيز﴾ الذي لا يهتدى إليه إلا به ﴿العليم﴾ بمن يستحق الاهتداء إليه ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم﴾ نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب ﴿لتهتدوا بها في ظلمات﴾ بر البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية. ﴿وهو الذي أنشأ﴾ أرواحكم من روح واحد هو روح محمد ﷺ «أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي البشر» فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح. وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو مستقر ببقاء الحق باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء ﴿قد فصلنا﴾ دلالات الوصول في الوصال ﴿لقوم يفقهون﴾ إشارات القلوب ﴿وهو الذي أنزل﴾ من سماء العناية ﴿ماء﴾ الهداية ﴿فأخرجنا به نبات كل شيء﴾ من أنواع المعارف ﴿فأخرجنا منه خضراً﴾ طرياً من المعاني والأسرار ﴿يخرج به﴾ من الحقائق ما تركب بعضها بعضها فترتب بعضها على بعض ﴿ومن النخل﴾ يعني أصحاب الولايات ﴿من طلعها﴾ من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين أي منهم من يكون مريئاً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المريدين. ﴿وجنات﴾ يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوّة الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع ﴿مشتبهاً﴾ أي متفقاً في الأصول والفروع ﴿وغير متشابه﴾ أي مختلفاً فيما بين العلماء ﴿انظروا﴾ إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام ﴿وينعه﴾ أي الكامل منها. ﴿إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون﴾ بأحوالهم وينتفعون بأموالهم وأحوالهم. ﴿وجعلوا لله﴾ إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى