مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي

عن الكتاب
تكون «إن» نافية، أي ما كنا فاعلين اتخاذ اللهو لعدم إرادتنا به. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ، أي يذهبه بالكلية، كما فعلنا بأهل القرى المحكية، فَإِذا هُوَ أي الباطل زاهِقٌ أي ذاهب بالكلية وهذا انتقال من إرادة اتخاذ اللهو إلى تنزيه ذاته تعالى، كأنه تعالى قال: سبحاننا أن نريد اتخاذ اللهو، بل شأننا بمقتضى حكمتنا، أن نغلب اللعب بالجدّ، وندحض الباطل بالحق. والمقصود من هذه الآية، تقرير نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم ورد على منكريها، لأنه تعالى أظهر المعجزة عليه صلّى الله عليه وسلّم فإن كان محمد كاذبا كان إظهار الله المعجزة عليه من باب اللعب، وذلك منفي عنه تعالى، وإن كان صادقا فهو المطلوب، وحينئذ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن، وَلَكُمُ الْوَيْلُ أي ولكم يا كفار مكة شدة العذاب، مِمَّا تَصِفُونَ (١٨). أي من أجل قولكم بتكذيب الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام، إلى غير ذلك من الأباطيل. وهذه الآية دالة على أن إهلاك الله أهل القرية لتكذيبهم الرسل عدل منه تعالى، ومجازاة على ما فعلوا.
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، فهو تعالى منزّه عن طاعتهم، لأنه تعالى هو المالك لجميع المحدثات وَمَنْ عِنْدَهُ أي والملائكة مع كمال شرفهم، ونهاية جلالتهم، لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ أي لا يتعظمون عن طاعته تعالى، ولا يعدّون أنفسهم كبيرا فكيف يليق بالبشر مع نهاية الضعف، التمرّد عن طاعته، وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) أي لا يسأمون ولا يتعبون. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠) أي ينزهونه تعالى في جميع الأوقات، فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام، فكذا اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال.
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١). ف «أم» بمعنى: بل، والهمزة، ومعناها إنكار انشار الأصنام للموتى، لا إنكار نفس الاتخاد فإقدامهم على عبادتها، يوجب عليهم الإقرار، بكون الآلهة قادرين على الحشر، والنشر، والثواب، فإذا كانوا عير قادرين على أن يحيوا ويميتوا، ويضرّوا وينفعوا، فأيّ عقل يجوز اتخاذهم آلهة، فقوله: مِنَ الْأَرْضِ كقولك: فلان من مكة، أي فلان مكي، فمعنى نسبة الأصنام إلى الأرض، إعلام بأن الأصنام التي تعبد إما أن تكون منحوتة من بعض الحجارة، أو معمولة من بعض جواهر الأرض. وفي قوله تعالى: هُمْ يُنْشِرُونَ معنى الخصوصية، وحاصل المعنى بل أعبد أهل مكة آلهة أرضية لا يقدر على إحياء الموتى من القبور إلّا هم وحدهم، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم والتجهيل. لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا أي لو تولى أمور السموات والأرض إله غير الواحد الذي هو فاطرهما، لبطلتا بما فيهما جميعا، وحيث انتفى فسادهما علم انتفاء تدبير إلهين، ويدلّ العقل على ذلك، لأنّا لو قدرنا إليهن لكان أحدهما إذا انفرد صحّ منه تحريك الجسم، وإذا انفرد الثاني صحّ منه تسكينه، فإذا اجتمعا وجب أن يبقيا على ما كانا عليه وقت الانفراد، فيصحّ أن يحاول أحدهما التحريك، والآخر التسكين، فإما أن يحصل المرادان وهو محال لاجتماع الضدين، وإما أن يمتنعا، وهو محال أيضا لكون كل واحد منهما
عاجزا، فثبت فساد نظام العالم، فكان القول بوجود إلهين باطلا، فثبت أن مدبّر العالم إله واحد، وإذا عرفت حقيقة هذه الدلالة عرفت أن جميع ما في العالم السفلي والعلوي، دليل على وحدانية الله تعالى. فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢). أي نزهوا الله عما يقول الكفار، بوجود آلهة غير الله لأجل هذه الأدلة، فالاشتغال بالتنزيه إنما ينفع بعد إقامة الأدلة على كون الله تعالى منزها فنبّه الله تعالى على نكتة خاصة بعيدة الأصنام وهي:
كيف يجوز للعاقل، أن يجعل الجماد الذي لا يعقل شريكا في الألوهية لخالق العرش العظيم، وموجد السموات والأرضين، واللوح والقلم، ومدبر الخلائق، من النور والظلمة، والنباتات، وأنواع الحيوانات والذات والصفات؟ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ أي عما يحكم في عباده من إعزاز، وإذلال، وهدى، وإضلال، وإسعاد وإشقاء، لأنه المالك القاهر. وَهُمْ أي العباد يُسْئَلُونَ (٢٣). سؤال توبيخ يقال لهم يوم القيامة: لم فعلتم كذا؟ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله تعالى ليس له شريك في الألوهية يقول له: لم فعلت كذا؟ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً أي بل أوصفوا الله تعالى بأن له شريكا وهذا استقباح أمرهم وإظهار جهلهم قُلْ يا أكرم الرسل: هاتُوا بُرْهانَكُمْ على إثبات الآلهة إما من جهة العقل أو من جهة النقل، كما أتيت أنا ببرهان النقل المؤيد بالعقل. هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي أي هذا إثبات وحدانية الله عظة أمتي وعظة الأمم الماضية، فهم متمسكون على التوحيد فأقيموا أنتم برهانكم على تعدّد الآلهة، ولا يمكن إثبات التعدد بالبرهان، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ، ولا يميزون بين الحق والباطل، فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) عن استماع الحق، أي أن وقوعهم في المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه، بل ذلك لأن عندهم ما هو أصل الفساد، وهو عدم العلم، ثم تفرّع منه الإعراض عن طلب الحق. وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)، أي فوحّدوني فالحكمة في بعث الرسل مقصورة على المصلحتين: إثبات وحدانية الله تعالى، وعبادته بالإخلاص.
وقرأ حفص وحمزة والكسائي: بالنون. والباقون على صيغة الغائب، مبنيا للمفعول.
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً أي وقال فرق من أجناس العرب، وهم: خزاعة، وجهينة، وبنو سلمة، وبنو مليح: الملائكة بنات الله، سُبْحانَهُ أي تنزّه الله تعالى تنزيها لائقا بذاته تعالى بَلْ عِبادٌ أي ليست الملائكة كما قالوا، بل هم عباد الله تعالى. فالعبودية تنافي الولدية، كما أن الولد للإنسان لا يكون عبده. مُكْرَمُونَ (٢٦) أي مقرّبون عنده تعالى، ومفضلون على سائر العباد بالعصمة. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، فإنهم يتبعونه في قوله تعالى ولا يقولون شيئا حتى يقوله، فلا يسبق قولهم قوله وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) أي فلا يعملون عملا ما لم يؤمروا به.
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي يعلم ما قدّموا، وما أخّروا من أعمالهم، أي لما علموا كونه

تفسير هذه الآية من كتب أخرى