الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ﴾ : في " أنت " وجهان، أحدهما : أنه فاعلٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّرُه الظاهرُ بعدَه. والتقدير : أفعلتَ هذا بآلهتِنا، فلمَّا حُذِفَ الفعلُ انفصَلَ الضميرُ. والثاني : أنه مبتدأٌ، والخبرُ بعده الجملةُ. والفرقُ بين الوجهين من حيثُ اللفظُ واضحٌ : فإنَّ الجملةَ مِنْ قولِه " فَعَلْتَ " الملفوظِ بها على الأولِ لا محلَّ لها لأنها مُفَسّرةٌ، ومحلُّها الرفعُ على الثاني، ومن حيث المعنى : إن الاستفهامَ إذا دَخَلَ على الفعلِ أَشْعَرَ بأن الشَّكَّ إنما تعلَّق به : هل وقع أم لا ؟ من غيرِ شكٍ في فاعلِه. وإذا دخل على الاسم وقع الشكُّ فيه : هل هو الفاعلُ أم غيرُه، والفعل غيرُ مشكوكٍ في وقوعه، بل هو واقعٌ فقط. فإذا قلت :" أقام زيدٌ " ؟ كان شكُّك في قيامِه. وإذا قلتَ :" أزيدٌ قام " وجعلتَه مبتدأً كان شُكَّكَ في صدورِ الفعل منه أم من عمرٍو. والوجه الأولُ هو المختارُ عند النحاةِ لأنَّ الفعلَ تقدَّم ما يطلبُه وهو أداةُ الاستفهام.