اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ الآية.
قوله :﴿وَأَيُّوبَ﴾ كقوله :﴿وَنُوحاً﴾(١) وما بعده(٢). وقرأ العامة «أَنِّي » بالفتح لتسلط النداء عليها بإضمار حرف الجر بأني(٣). وعيسى بن عمر بالكسر(٤) فمذهب(٥) البصريين إضمار القول أي : نادى فقال : إني(٦) ومذهب الكوفيين أجرى النداء مجرى القول(٧). والضُّرّ بالضم المرض في البدن وبالفتح الضرر في كل شيء فهو أعم من الأول(٨).

فصل


قال وهب بن منبه(٩) : كان أيوب -عليه السلام(١٠)- رجلاً من الروم، وهو أيوب بن أنوص بن زارح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران، وكان الله قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا، وكانت له البَثَنِيَّة(١١) من أرض الشام كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمر والبساتين ما لا يكون لرجل أفضل منه في العدة والكثرة والأهل والولد من الرجال والنساء، وكان رحيماً بالمساكين يكفل الأيتام والأرامل ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل. وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به، وعرفوا فضله ؛ قال : كان أحدهم من أهل اليمن يقال له : اليقن، ورجلان(١٢) من أهل بلدة يقال لأحدهما : يلدد، والآخر ضافر، وكانوا كهؤلاء.
وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السموات وكان يقف فيهن حيث ما أراد حتى رفع الله عيسى، فحجب من أربع، فما بعث محمد - ﷺ - حجب من الثلاث الباقية، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه فأدركه(١٣) البغي والحسد، فصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفا كان يقفه، فقال : إلهي نظرت في عبدك أيوب فوجدته عبداً أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك ولخرج من طاعتك. فقال الله -تعالى- : انطلق فقد سلطتك على ماله فانقض عدو إبليس حتى وقع إلى الأرض، ثم جمع عفاريت الجن ومردة الشياطين، وقال لهم : ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال أيوب ؟ فقال عفريت من الشياطين : أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من نار فأحرق كل شيء، فقال له إبليس : فأت الإبل ورعاتها فذهب فأتى الإبل حين وضعت رؤوسها وانبثت في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منه إلا احترق، فأحرق الإبل ورعاتها حتى أتى على آخرها. ثم جاء إبليس في زي بعض الرعاة إلى أيوب، فوجده قائماً يصلي، فقال : يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها غيري فقال أيوب : الحمد لله الذي هو أعطاها وهو أخذها، وقديماً وطّنْتُ نفسي ومالي على الفناء، فبقي الناس مبهوتين متعجبين، فمن قائل يقول : ما كان أيوب يعبد شيئاً، وما كان إلا في غرور. ومنهم مَنْ يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئاً لمنع وليه. ومنهم مَنْ يقول : هو الذي فعل ما فعل ليشمت به عدوه، ويفجع به صديقه فقال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عرياناً خرجت من بطن أمي، وعرياناً(١٤) أعود في التراب، وعرياناً أحشر إلى الله(١٥)، ولو علم الله فيك خيراً أيها العبد لنقل روحك مع تلك الأرواح، وصرت شهيداً ولكنه علم منك شراً فأخرك. فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئاً ذليلاً، فقال لهم : ماذا عندكم من القوة ؟ فقال عفريت آخر : عندي من القوة ما إذا شئت صحة صيحة لا يسمعها ذو روح إلا خرجت روحه. فقال له إبليس : فأت الغنم ورعاتها، فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاتها، ثم جاء إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد(١٦) عليه أيوب الرد الأول. فرجع إبليس صاغراً إلى أصحابه، فقال لهم : ما عندكم من القوة فإني لم أكلم قلب أيوب ؟ فقال عفريت آخر : عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحاً عاصفاً أقلع(١٧) كل شيء أتيت عليه.
فقال : اذهب إلى الحرث والفدادين، فأتاهم، فأهلكهم(١٨). ثم أتى إبليس متمثلاً إلى أيوب، فقال(١٩) مثل قوله : فرد عليه أيوب الرد الأول. وكلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن الثناء عليه ورضي عنه بالقضاء، ووطن نفسه بالصبر على البلاء حتى لم يبق له مال. فلما رأى إبليس صبره على ذلك وقف الموقف الذي كان يقفه عند الله. فقال : إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته بولده، فأنت معطيه المال فهل أنت مسلطي على ولده فإنها المعصية التي لا تقوم لها قلوب الرجال ؟ قال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ولده. فأتى أولاد أيوب في قصرهم فلم يزل يزلزله بهم من قواعده حتى قلب القصر عليهم. ثم جاء أيوب متمثلاً بالمعلم الذي يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ(٢٠) الوجه والرأس يسيل دمه ودماغه، فقال : لو رأيت بنيك كيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم لتقطع قلبك، فلم يزل يقول هذا ونحوه ويرققه حتى رَقَّ أيوب -عليه السلام(٢١)- وبكى وقبض قبضة من التراب ووضعها على رأسه، وقال : ليت أمي لم تلدني، فاغتنم إبليس ذلك وصعد سريعاً، ووقف موقفه. ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر، وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته، فسبقت توبته إلى الله -تعالى- وهو أعلم. فوقف إبليس ذليلاً فقال : يا إلهي إنما هوّن على أيوب المال والولد لعلمه أنه يرى أنك متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده ؟ فقال الله -عزَّ وجلَّ(٢٢)- انطلق فقد سلطتك على جسده، وليس لك على قلبه وعقله ولسانه سلطان، وكان الله –عز وجل(٢٣)- أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب ويجعله عبرة للصابرين، وذكرى للعابدين، وكل بلاء نزل بهم ليتأسوا به في الصبر، ورجاء للثواب. فانْقَضّ عدو الله سريعاً، فوجد أيوب ساجداً، فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل فيها جسده فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل(٢٤) مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حكّة لا يملكها، فكان يحك بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة حتى تقطع لحمه وتغير وأنتن، فأخرجوه أهل القرية وجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشا، ورفضه الناس كلهم إلا امرأته رحمة بن افرايم بن يوسف، فكانت تصلح أموره ويختلف إليه مما يصلحه.
ثم إنَّ وَهْباً طول الحكاية إلى أن قال : إنَّ أيوب -عليه السلام-(٢٥) أقبل على الله -تعالى(٢٦)- متضرعاً إليه فقال : رب لأي شيء خلقتني يا ليتني عرفت الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت فصرفت وجهك عني ألم أكن للغريب داراً، وللمسكين قراراً، ولليتيم ولياً، وللمرأة قيماً، إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فَالمَنُّ لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي جعلتني للبلاء غرضاً، وللفتنة نصباً، وسلطت عليّ(٢٧) ما لو سلطته على جبل لضعف عن حمله، إلهي تقطعت أصابعي، وتساقطت لهواتي، وتناثر شعري، وذهب المال فصرت أسأل اللقمة فيطعمني من يمن(٢٨) بها علي، ويعيرني بفقري وهلاك أولادي. قال الإمام أبو القاسم الأنصاري -رحمه الله- : وفي جملة هذا الكلام ليتك إذا كرهتني لم تخلقني، ثم قال : ولو كان ذلك صحيحاً لاغتنم إبليس بأن يحمله على الشكوى، وأن يخرجه عن(٢٩) حلية الصابرين، والله لم يخبر عنه إلا قوله ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ وقال :﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾(٣٠). واختلف العلماء في السبب الذي قاله لأجله ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضر﴾ فروى ابن شهاب عن أنس عن رسول الله - ﷺ - «إن أيوب -عليه السلام-(٣١) بقي في البلاء ثماني عشر سنة، فرفضه القريب والبعيد إلاَّ رجلين كانا يغدوان ويروحان، فقال أحدهما للآخر ذات يوم : والله إن أيوب أذنب ذنباً ما أذنبه أحد(٣٢) من العالمين. فقال صاحبه : وما ذاك. فقال : منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، ولم يكشف ما به. فلما راحا إلى أيوب لم يصبر حتى ذكر ذلك له. فقال أيوب : ما أدري ما يقولان غير أن الله -تعالى- يعلم(٣٣) أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنها كراهية أن يذكر الله إلا في حق. وروي أنّ الرجلين لما دخلا عليه قالا : لو كان لأيوب عند الله منزلةً ما بلغ في هذه الحالة. فما شق على أيوب شيء مما بلي به أشد مما سمع منهما، وقال : اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعاناً وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق. ثم قال : اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصي وأنا أعلم مكان عار فصدقني، فصدق. وهما يسمعان، ثم خرَّ أيوب ساجداً، ثم قال : اللهم لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي قال : فكشف الله ما به ».
وروى الحسن قال : مكث أيوب بعد ما ألقي على(٣٤) الكناسة سبع سنين وأشهراً، ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته رحمة، صبرت معه، وكانت تأتيه بطعام. وتحمد الله مع أيوب والصبر على ما ابتلاه، فصرخ إبليس صرخة جزعا مع أيوب، فاجتمع جنوده من أقطار الأرض، وقالوا له : ما خبرك ؟ قال : أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فلم أدع له مالاً ولا ولداً، ولم(٣٥) يزدد بذلك إلا صبراً وحمداً، ثم سلطت على جسده فتركته ملقى في كناسة ما يقربه إلا امرأته، وهو مع ذلك لا يفتر عن الذكر والحمد، فاستغثت بكم لتعينوني، فأشيروا علي. قالوا : أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة من أين أتيته ؟ قال : من قبل امرأته. قالوا : فشأنك من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها، لأنه لا يقربه أحد غيرها. قال : أصبتم. فانطلق حتى أتى امرأته، فتمثل لها في صورة رجل، فقال : أين بعلك يا أمة الله ؟ فقالت : هو ذَا يَحُكُّ قُرُوحَهُ وتتردد(٣٦) الدواب في جسده. فلما سمعها طمع أن يكون ذلك جزعاً فوسوس إليها وذكرها ما كان لها من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه.
قال الحسن : فصرخت، فلما صرخت علم أنها قد جزعت، فاتاها بسخلة(٣٧) فقال : ليذبح هذا أيوب لغير الله فيبرأ، قال : فجاءت تصرخ إلى أيوب تقول : حتى متى يعذبك ربك، ألا يرحمك، أين المال، أين(٣٨) الولد، أين الماشية، أين الصديق، أين الحسن، أين جسمك الذي قد بلي وصار مثل الرماد وتردد فيك الدواب، اذبح هذه السخلة واسترح ؟ قال أيوب -عليه السلام(٣٩)- : أتاك عدو الله ونفخ فيك فأجبتيه، أما تذكرين ما كنا فيه من المال والولد والصحة، من أعطانا ذلك ؟ قالت : الله. قال : فكم متعنا به ؟ قالت : ثمانين سنة. قال : فمنذ كم ابتلانا بهذا البلاء ؟ قالت سبع سنين قال : ما أنصفت ربك ألاَّ صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة أمرتيني أن أذبح لغير الله، وحرام عليّ أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابك الذي تأتيني به، فطردها، فذهبت، فلما نظر أيوب في شأنه، وليس عنده طعام، ولا شراب، ولا صديق، وقد ذهبت امرأته، خَرَّ ساجداً، وقال :﴿ربّ أَنِّي مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ فقال : ارفع(٤٠) رأسك فقد استجبت لك ﴿اركض بِرِجْلِكَ﴾(٤١) فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها، فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت، ثم ضرب برجله مرة أخرى، فنبعت عين أخ
١ [الأنبياء: ٧٦]..
٢ وهو قوله: ﴿وداود وسليمان﴾ [الأنبياء: ٧٨] من أوجه الإعراب الجائزة..
٣ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٤..
٤ المختصر (٩٢)، البحر المحيط ٦/٣٣٤..
٥ في ب: فذهب. وهو تحريف..
٦ في ب: وإني. وهو تحريف..
٧ انظر الكشاف ٣/١٨، البحر المحيط ٦/٣٣٤..
٨ انظر الكشاف ٣/١٨، اللسان (ضرر)، البحر المحيط ٦/٣٣٤..
٩ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٠٣-٢٠٨..
١٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١١ البثنيّة: الزبدة، وقيل: ضرب من الحنطة، وقيل حنطة منسوبة إلى بلدة معروفة بالشام من أرض دمشق. اللسان (بثن)..
١٢ في ب: روجلاء. وهو تحريف..
١٣ في ب: وأدركه..
١٤ عريانا: مكرر في ب..
١٥ في ب: وعريانا يحشرني الله..
١٦ في ب: ورد..
١٧ في ب: لأقلع..
١٨ في الأصل: فأهلكهم. وهو تحريف..
١٩ في الأصل: وقال..
٢٠ الشدخ: كسر الشيء الأجوف كالرأس ونحوه، شدخ رأسه فانشدخ وشدّخت الرؤوس شدّد للكثرة. اللسان (شدخ)..
٢١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٢ في ب: تعالى..
٢٣ في ب: تعالى..
٢٤ التآليل: جمع الثؤلول: وهو الخراج، وقد ثؤلل الرجل وقد تثألل جسده بالثآليل وهو الحبة تظهر في الجلد كالحمصة فما دونها. اللسان (ثآل)..
٢٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٦ تعالى: سقط من ب..
٢٧ على : سقط من الأصل..
٢٨ في ب: عن. وهو تحريف..
٢٩ في الأصل: على..
٣٠ [ص: ٤٤]..
٣١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٢ في ب: أحدا. وهو تحريف..
٣٣ يعلم: سقط من الأصل..
٣٤ في ب: عليه..
٣٥ في الأًصل: ولا..
٣٦ في ب: وتترد..
٣٧ السخلة: ولد الشاة من المعز والضأن، ذكرا كان أو أنثى، والجمع سخل، وسخال. اللسان (سخل)..
٣٨ في ب: وأين..
٣٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٠ أرفع: سقط من ب..
٤١ من قوله تعالى: ﴿اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾ [ص: ٤٢]..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى