معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وأيوب إذ نادى ربه﴾ يعني دعا ربه، قال وهب بن منبه : كان أيوب رجلاً من الروم وهو أيوب بن أموص بن تارخ بن روم بن عيص بن إسحق بن إبراهيم، وكانت أمه من أولاد لوط بن هاران، وكان الله قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا، وكانت له البثنية من أرض الشام، كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله، من البقر والإبل والغنم والخيل والحمر ما لا يكون لرجل أفضل منه في العدة والكثرة، وكان له خمسمائة فدان، يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، ويحمل آلة كل فدان أتان وكل أتان ولد من الولد اثنان وثلاثة وأربعة وخمسة، وفوق ذلك، وكان الله أعطاه أهلاً وولداً من رجال ونساء، وكان براً تقياً رحيماً بالمساكين، يطعم المساكين ويكفل الأرامل والأيتام، ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل، وكان شاكراً لأنعم الله مؤدياً لحق الله، قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرة والغفلة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وصدقوه رجل من أهل اليمن يقال له : النغر، ورجلان من أهل بلدة يقال لأحدهما : يلدد والآخر صافر وكانوا كهولاً، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السموات، وكان يقف فيهن حيث ما أراد حتى رفع الله عيسى فحجب عن أربع سموات، فلما بعث محمد ﷺ حجب من الثلاث الباقية، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدركه البغي والحسد، فصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفاً كان يقفه، فقال إلهي نظرت في أمر عبدك أيوب فوجدته عبداً أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك، ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك، ولخرج من طاعتك، قال الله عز وجل : انطلق فقد سلطتك على ماله فانقض عدو الله إبليس حتى وقع إلى الأرض، ثم جمع عفاريت الجن ومردة الشياطين، وقال لهم : ماذا عندكم من القوة ؟ فإني قد سلطت على مال أيوب، وهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال، فقال عفريت من الشياطين أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من نار وأحرقت كل شيء آتي عليه، قال له إبليس : فأت الإبل ورعاتها، فأتى الإبل حين وضعت رؤوسها وثبتت في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منها أحد إلا احترق فأحرقتها ورعايتها حتى أتى على آخرها، ثم جاء عدو الله إبليس في صورة قبيحة على قعود إلى أيوب فوجده قائماً يصلي، فقال : يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها غيري، فقال أيوب : الحمد لله الذي أعطاها وهو أخذها، وقديماً ما وطنت نفسي ومالي على الفناء، فقال إبليس : فإن ربك أرسل عليها ناراً من السماء فاحترقت فتركت الناس مبهوتين يتعجبون منها، منهم من يقول : ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئاً لمنع وليه، ومنهم من يقول : بل هو الذي فعل ذلك ليشمت به عدوه ويفجع صديقه. فقال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عرياناً خرجت من بطن أمي، وعرياناً أعود في التراب، وعرياناً أحشر إلى الله، ليس لك أن تفرح حين أعارك وتجزع حين قبض عاريته منك، الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيها العبد خيراً لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيداً، ولكنه علم منك شراً فأخرك، فرجع إبليس إلى أصحابه خائباً خاسراً ذليلاً فقال لهم : ماذا عندكم من القوة ؟ فإني لم أكلم قلبه، قال عفريت : عندي من القوة ما إذا شئت صحت صيحة لا يسمعها ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه، قال إبليس فأت الغنم ورعاتها، فانطلق حتى توسطها ثم صاح صيحة فتجثمت أمواتاً عن آخرها ومات رعاؤها، ثم جاء إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد عليه مثل الرد الأول ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال : ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم قلب أيوب، فقال عفريت عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحاً عاصفاً تنسف كل شيء تأتي عليه، قال فأت الفدادين والحرث فانطلق ولم يشعروا حتى هبت ريح عاصف، فنسفت كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن، ثم جاء إبليس متمثلاً بقهرمان الحرث إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد عليه أيوب مثل رده الأول كلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن الثناء عليه، ورضي منه بالقضاء، ووطن نفسه بالصبر على البلاء، حتى لم يبق له مال. فلما رأى إبليس أنه قد أفني ماله صعد إلى السماء فقال : إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته بولده فأنت تعطيه المال فهل مسلطي على ولده، فإنها المصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال، قال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ولده، فانقض عدو الله حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح جدره بعضها ببعض ويرميهم بالخشب والجندل، حتى إذا مثل بهم كل مثلة رفع القصر فقلبه فصاروا منكسين، وانطلق إلى أيوب متمثلاً بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وقال : لو رأيت بنيك كيف عذبوا وقلبوا فكانوا منكسين على رؤوسهم تسيل دماؤهم ودماغهم، ولو رأيت كيف شقت بطونهم وتناثرت أمعاؤهم لقطع قلبك، فلم يزل يقول هذا ونحوه حتى رق أيوب فبكي وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه، وقال : يا ليت أمي لم تلدني، فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعاً بالذي كان من جزع أيوب مسروراً به، ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر، فصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته فسبقت توبته إلى الله وهو أعلم، فوقف إبليس ذليلاً فقال : يا إلهي إنما هون على أيوب المال والولد أنه يرى منك أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد فهل أنت مسلطي على جسده ؟ فقال الله عز وجل : انطلق فقد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه، وكان الله عز وجل أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة له ليعظم له الثواب ويجعله عبرة للصابرين، وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم، ليتأسوا به في الصبر ورجاءً للثواب، فانقض عدو الله سريعاً فوجد أيوب ساجداً فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جميع جسده، فخرج من قرنه إلى قدمه تآليل مثل آليات الغنم، ووقعت فيه حكة فحكها بأظفاره حتى سقطت كلها ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة، فلم يزل يحكها حتى نغل لحمه، وتقطع وتغير وأنتن، وأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشاً، فرفضه خلق الله كلهم غير امرأته رحمة، وهي بنت أفراثيم بن يوسف بن يعقوب كانت تختلف إليه بما يصلحه ويلزمه، فلما رأى الثلاثة من أصحابه وهم : يقن ويلدد وصافر ما ابتلاه الله به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه فبكتوه ولاموه وقالوا له : تب إلى الله من الذنب الذي عوقبت به، وكان ممن حضره معهم فتى حديث السن قد آمن به وصدقه، فقال لهم : إنكم تكلمتم أيها الكهول، وكنتم أحق بالكلام مني لأسنانكم، ولكن قد تركتم من القول أحسن من الذي قلتم، ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم، وقد كان لأيوب عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم ؟ ألم تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته من خلقه وصفوته من أهل الأرض إلى يومكم هذا ؟ ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله من أمره على أنه قد سخط عليه شيئاً من أمره منذ آتاه الله ما آتاه إلى يومكم هذا، ولا على أنه نزع منه شيئاً من الكرامة التي أكرمه بها، ولا أن أيوب قال على الله غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا، فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله يبتلي المؤمنين والصديقين والشهداء والصالحين، وليس بلاؤه لأولئك بدليل على سخطه عليهم ولا لهوانه لهم، ولكنه كرامة وخيرة لهم، ولو كان أيوب ليس من الله بهذه المنزلة إلا أنه أخ أحببتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحليم أن يعذل أخاه عند البلاء، ولا أن يعيره بالمصيبة، ولا أن يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين، ولكنه يرحمه ويبكي معه، ويستغفر له، ويحزن لحزنه، ويدله على مراشد أمره، وليس بحليم ولا رشيد من جهل هذا، فالله الله أيها الكهول وقد كان في عظمة الله عز جلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم، ويكسر قلوبكم، ألم تعلموا أن لله عباداً أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم، وأنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الألباء العالمون بالله، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم، واقشعرت جلودهم، وانكسرت قلوبه، وطاشت عقولهم إعظاماً وإجلالاً لله عز وجل، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله عز وجل بالأعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأبرار نزهاء برءاء، ومع المقصرين والمفرطين، وأنهم لأكياس أقوياء، فقال أيوب : إن الله عز وجل يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير، فمتى نبتت في القلب يظهرها الله على اللسان، وليست تكون الحكمة من قبل السن والشيبة ولا طول التجربة، وإذا جعل الله العبد حكيماً في الصبا لم تسقط منزلته عند الحكماء وهم يرون من الله سبحانه عليه نور الكرامة، ثم أعرض عنهم أيوب وأقبل على ربه مستغيثاً به متضرعاً إليه، فقال رب لأي شيء خلقتني ليتني إذ كرهتني لم تخلقني. يا ليتني قد عرفت الذنب الذي أذنبت، والعمل الذي عملت، فصرفت به وجهك الكريم عني لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي الكرام، فالموت كان أجمل بي ألم أكن للغريب داراً، وللمسكين قراراً، ولليتيم ولياً، وللأرملة قيماً، إلهي أنا عبدك إن أحسنت فالمن لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي وجعلتني للبلاء غرضاً، وللفتنة نصباً، وقد وقع علي بلاء لو سلطته على جبل ضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي وإن قضاءك هو الذي أذلني، وإن سلطانك هو الذي أسقمني وأنحل جسمي، ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي بما كان ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي، ولكنه ألقاني وتعالى عني فهو يراني ولا أراه ويسمعني ولا أسمعه، فلا نظر إلي فيرحمني، ولا دنا مني ولا أدناني فأدلي بعذري وأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي، فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب أليم، ثم نودي يا أيوب إن الله عز وجل يقول : ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك قريباً قم فأدل بعذرك، وتكلم ببراءتك، وخاصم عن نفسك، واشدد إزارك، وقم مقام جبار يخاصم جباراً إن استطعت، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي، ولا شبه لي لقد منتك نفسك يا أيوب أمراً ما تبلغه بمثل قوتك، أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها، هل كنت معي تمد بأطرافها ؟ هل علمت بأي مقدار قدرتها أم على أي شيء وضعت أكنافها ؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض، أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاءً ؟ أين كنت مني

تفسير هذه الآية من كتب أخرى