اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ يعني ابن إبراهيم، ﴿وَإِدْرِيسَ﴾ وهو اخنوخ ﴿وَذَا الكفل كُلٌّ مِّنَ الصابرين﴾. لما ذكر صبر أيوب(١) أتبعه بذكر هؤلاء، فإنهم أيضاَ كانوا من الصابرين على الشدائد والمحن والعبادة. أما إسماعيل فصبر على الانقياد للذبح، وصبر على المقام ببلد لا زرع فيه ولا ضرع ولا بناء، وصبر في بناء البيت فأكرمه الله وأخرج من صلبه خاتم النبيين. وأما إدريس فتقدمت قصته في سورة مريم(٢) قال ابن عمر :«بعث إلى قومه داعياً إلى الله فأبوا فأهلكهم الله، ورفع إدريس السماء السابعة » وأما ذو الكفل قال الزجاج : الكفلُ في اللغة الكساء(٣) الذي يجعل على عجز البعير(٤) والكفل أيضاً : النصيب قال تعالى :﴿يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا﴾(٥) أي : نصيب(٦). واختلفوا في تسميته بهذا الاسم، فقال الحسن : كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه، وضعف ثوابهم. وقال ابن عباس : إن نبياً من أنبياء بني إسرائيل آتاه الله الملك والنبوة ثم أوحى الله إليه أني أريد قبض روحك، فاعرض الملك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أن يصلي بالليل لا يفتر ويصوم بالنهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه، ففعل ذلك فقام شاب فقال : أنا أتكفل لك بهذا(٧). وَوَفَى به، فشكر الله له ونبأه فسمي ذا الكفل. وعلى هذا فالمراد بالكفل هنا الكفالة، لأنه تكفل بأمور فوفى بها.
وقال مجاهد : ما كبر اليسع- عليه السلام(٨)- قال : لو أني استخلفت رجلاً على الناس في حياتي حتى أنظر كيف يعمل فجمع الناس، فقال من يتقبل مني ثلاثاً أستخلفه(٩) : يصوم النهار، ويقوم الليل، ويقضي فلا يغضب، فقام رجل تزدريه العين فقال : أنا. فرده ذلك اليوم، وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل، فقال : أنا. فاستخلفه. فأتاه إبليس في صورة شيخ حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة. فذق الباب فقال : من هذا ؟ فقال : شيخ كبير مظلوم، فقال : افتح الباب. فقال : إنّ بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني وفعلوا وفعلوا وجعل يطول حتى حضر الرواح، وذهبت القائلة. فقال : إذا رحت فأتني آخذ حقك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره، فلما كان الغد يقضي بين الناس ينظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة أخذ مضجعه أتاه، فدق الباب، فقال من هذا ؟ فقال : الشيخ المظلوم، ففتح له، فقال : أقيل، فإذا قعدت فأتني، فقال : إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد، قالوا : نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني. قال : فانطلق : فإذا رحت فأتني، فأتته القائلة، فراح فجعل ينظر ولا يراه، وشق عليه النعاس. فقال للبواب في اليوم الثالث : قد غلب عليّ النعاس فلا تدع أحداً يقرب من هذا الباب حتى أنام، فجاء إبليس في تلك الساعة، فلم يأذن له الرجل فدخل في كُوَّة(١٠) في البيت، فتسور منها(١١) ودق الباب من داخل، فاستيقظ وعاتب البواب، فقال : أما من قبلي فلم يأت، فانظر من أين أتيت، فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في التي، فقال له : أتنام والخصوم ببابك. فقال : أنت إبليس. قال : نعم أعييتني في كل شيء ففعلت هذه الأفعال بك، فعصمك الله مني، فسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوقى به، وقيل غير ذلك(١٢).
قال أبو موسى الأشعري(١٤) ومجاهد : ذو الكفل لم يكن نبياً بل كان عبداً صالحاً. وقال الحسن والأكثرون كان نبياً، وهو الأظهر، لأنه تعالى قرن ذكره بإسماعيل وإدريس، والغرض ذكر الفضلاء من عباده، فدلّ ذلك على نبوته، ولأن السورة ملقبة بسورة الأنبياء، ولأنَّ قوله :﴿دُو الكِفْلِ﴾ يحتمل أن يكون لقباً، وأن يكون اسماً، والأولى أن يكون اسماً، لأنه أكثر فائدة من اللقب، وإذا ثبت ذلك، فالكِفْلُ هو النصيب، لقوله تعالى ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾(١٥). والظاهر أنّ الله تعالى سماه بذلك تعظيماً له، فوجب أن يكون الكفل هو كفل الثواب، فسمي بذلك، لأن عمله وثواب عمله كان ضعف عمل غيره وضعف ثواب غيره، وقد كان في زمنه أنبياء على ما روي.
قيل : إن ذا(١٧) الكفل زكريا. وقيل : يوشع. وقيل : إلياس. ثم قالوا : خمسة من الأنبياء- عليهم السلام-(١٨) سماهم الله باسمين إسرائيل ويعقوب وإلياس وذا الكفل، وعيسى والمسيح، ويونس وذا النون، ومحمداً وأحمد.
قوله :﴿كُلّ مِنَ الصَّابِرِيْنَ﴾ أي : على القيام بأمر الله، واحتمال الأذى في نصرة دينه.
وقال مجاهد : ما كبر اليسع- عليه السلام(٨)- قال : لو أني استخلفت رجلاً على الناس في حياتي حتى أنظر كيف يعمل فجمع الناس، فقال من يتقبل مني ثلاثاً أستخلفه(٩) : يصوم النهار، ويقوم الليل، ويقضي فلا يغضب، فقام رجل تزدريه العين فقال : أنا. فرده ذلك اليوم، وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل، فقال : أنا. فاستخلفه. فأتاه إبليس في صورة شيخ حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة. فذق الباب فقال : من هذا ؟ فقال : شيخ كبير مظلوم، فقال : افتح الباب. فقال : إنّ بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني وفعلوا وفعلوا وجعل يطول حتى حضر الرواح، وذهبت القائلة. فقال : إذا رحت فأتني آخذ حقك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره، فلما كان الغد يقضي بين الناس ينظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة أخذ مضجعه أتاه، فدق الباب، فقال من هذا ؟ فقال : الشيخ المظلوم، ففتح له، فقال : أقيل، فإذا قعدت فأتني، فقال : إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد، قالوا : نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني. قال : فانطلق : فإذا رحت فأتني، فأتته القائلة، فراح فجعل ينظر ولا يراه، وشق عليه النعاس. فقال للبواب في اليوم الثالث : قد غلب عليّ النعاس فلا تدع أحداً يقرب من هذا الباب حتى أنام، فجاء إبليس في تلك الساعة، فلم يأذن له الرجل فدخل في كُوَّة(١٠) في البيت، فتسور منها(١١) ودق الباب من داخل، فاستيقظ وعاتب البواب، فقال : أما من قبلي فلم يأت، فانظر من أين أتيت، فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في التي، فقال له : أتنام والخصوم ببابك. فقال : أنت إبليس. قال : نعم أعييتني في كل شيء ففعلت هذه الأفعال بك، فعصمك الله مني، فسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوقى به، وقيل غير ذلك(١٢).
فصل(١٣)
قال أبو موسى الأشعري(١٤) ومجاهد : ذو الكفل لم يكن نبياً بل كان عبداً صالحاً. وقال الحسن والأكثرون كان نبياً، وهو الأظهر، لأنه تعالى قرن ذكره بإسماعيل وإدريس، والغرض ذكر الفضلاء من عباده، فدلّ ذلك على نبوته، ولأن السورة ملقبة بسورة الأنبياء، ولأنَّ قوله :﴿دُو الكِفْلِ﴾ يحتمل أن يكون لقباً، وأن يكون اسماً، والأولى أن يكون اسماً، لأنه أكثر فائدة من اللقب، وإذا ثبت ذلك، فالكِفْلُ هو النصيب، لقوله تعالى ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾(١٥). والظاهر أنّ الله تعالى سماه بذلك تعظيماً له، فوجب أن يكون الكفل هو كفل الثواب، فسمي بذلك، لأن عمله وثواب عمله كان ضعف عمل غيره وضعف ثواب غيره، وقد كان في زمنه أنبياء على ما روي.
فصل(١٦)
قيل : إن ذا(١٧) الكفل زكريا. وقيل : يوشع. وقيل : إلياس. ثم قالوا : خمسة من الأنبياء- عليهم السلام-(١٨) سماهم الله باسمين إسرائيل ويعقوب وإلياس وذا الكفل، وعيسى والمسيح، ويونس وذا النون، ومحمداً وأحمد.
قوله :﴿كُلّ مِنَ الصَّابِرِيْنَ﴾ أي : على القيام بأمر الله، واحتمال الأذى في نصرة دينه.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢١٠-٢١١..
٢ عند قوله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا﴾، انظر اللباب ٥/٣٢٥..
٣ في النسختين: اللعب، والصواب ما أثبته..
٤ وهنا زيادة في ب بعد قوله: على عجز البعير: قال ابن الأثير: هو كساء يكون حول سنام البعير، ثم يركب، فذلك هو الكساء، هو الكفل وهو بكسر الكاف وإسكان الفاء، فأصله من الكفل بفتح الفاء. انظر النهاية في غريب الحديث ٤/١٩٢.
وابن الأثير: هو المبارك بن محمد بن عبد الكريم الشيباني المشهور بابن الأثير من مشاهير العلماء وأكابر النبلاء، أخذ النحو عن ابن الدهان ويحيى بن سعدون القرطبي، ومن مصنفاته: النهاية في غريب الحديث، البديع في النحو، تهذيب فصول ابن الدهان، وغير ذلك، مات سنة ٦٠٦ هـ. بغية الوعاة ٢/٢٧٤-٢٧٥..
٥ من قوله تعالى: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا﴾ [النساء: ٨٥]..
٦ معاني القرآن وإعرابه ٣/٤٠١-٤٠٢..
٧ في ب: بهذا التكفل..
٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٩ استخلفه: سقط من ب..
١٠ الكوة: الخرق في الحائط، والثقب في البيت ونحوه. اللسان (كوى)..
١١ تسور الحائط: تسلقه. اللسان (سور)..
١٢ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢١٠-٢١١..
١٣ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢١١ بتصرف..
١٤ هو عبد الله بن قيس بن سليمان، الأشعري أبو موسى، أخذ عنه ابن المسيب وأبو وائل، وأبو عثمان النهدي، وغيرهم، قيل: إنه مات سنة ٤٢ هـ.
خلاصة تذهيب تذهيب الكمال ٢/٨٩..
١٥ [النساء: ٨٥]..
١٦ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢١١-٢١٢..
١٧ في ب: ذوا. وهو تحريف..
١٨ في ب: عليهم الصلاة والسلام..
٢ عند قوله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا﴾، انظر اللباب ٥/٣٢٥..
٣ في النسختين: اللعب، والصواب ما أثبته..
٤ وهنا زيادة في ب بعد قوله: على عجز البعير: قال ابن الأثير: هو كساء يكون حول سنام البعير، ثم يركب، فذلك هو الكساء، هو الكفل وهو بكسر الكاف وإسكان الفاء، فأصله من الكفل بفتح الفاء. انظر النهاية في غريب الحديث ٤/١٩٢.
وابن الأثير: هو المبارك بن محمد بن عبد الكريم الشيباني المشهور بابن الأثير من مشاهير العلماء وأكابر النبلاء، أخذ النحو عن ابن الدهان ويحيى بن سعدون القرطبي، ومن مصنفاته: النهاية في غريب الحديث، البديع في النحو، تهذيب فصول ابن الدهان، وغير ذلك، مات سنة ٦٠٦ هـ. بغية الوعاة ٢/٢٧٤-٢٧٥..
٥ من قوله تعالى: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا﴾ [النساء: ٨٥]..
٦ معاني القرآن وإعرابه ٣/٤٠١-٤٠٢..
٧ في ب: بهذا التكفل..
٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٩ استخلفه: سقط من ب..
١٠ الكوة: الخرق في الحائط، والثقب في البيت ونحوه. اللسان (كوى)..
١١ تسور الحائط: تسلقه. اللسان (سور)..
١٢ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢١٠-٢١١..
١٣ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢١١ بتصرف..
١٤ هو عبد الله بن قيس بن سليمان، الأشعري أبو موسى، أخذ عنه ابن المسيب وأبو وائل، وأبو عثمان النهدي، وغيرهم، قيل: إنه مات سنة ٤٢ هـ.
خلاصة تذهيب تذهيب الكمال ٢/٨٩..
١٥ [النساء: ٨٥]..
١٦ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢١١-٢١٢..
١٧ في ب: ذوا. وهو تحريف..
١٨ في ب: عليهم الصلاة والسلام..