المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وأمر الله عز وجل في هذه الآية أن لا يولي المؤمنون أمام الكفار، وهذا الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في ِمْثَلْي المؤمنين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنة من المشركين فالفرض أن لا يفروا أمامهم، فالفرار هناك كبيرة موبقة بظاهر القرآن والحديث وإجماع الأكثر من الأمة، والذي يراعى العدد حسب ما في كتاب اله عز وجل : وهذا قول جمهور الأمة، وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة : يراعى أيضاً الضعف والقوة والعدة فيجوز على قولهم أن تفر مائة فارس إذا علموا أن عند المشركين من العدة والنجدة والبسالة ضعف ما عندهم، وأمام أقل أو أكثر بحسب ذلك وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا أمام ما زاد على مائتين والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة، لأنها بشعة على الفار ذامة له، وقرأ الجمهور «دبُره » بضم الباء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «دبْره » بسكون الباء، واختلف المتأولون في المشار إليه بقوله ﴿يومئذ﴾ فقالت فرقة الإشارة إلى يوم بدر وما وليه، وفي ذلك اليوم وقع الوعيد بالغضب على من فر، ونسخ بعد ذلك حكم الآية بآية الضعف(١)، وبقي الفرار من الزحف ليس بكبيرة وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال فيهم يوم حنين :
﴿ثم وليتم مدبرين﴾(٢) ولم يقع على ذلك تعنيف.
قال القاضي أبو محمد : وقال الجمهور من الأمة : الإشارة ب ﴿يومئذ﴾ إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله ﴿إذا لقيتم﴾ وحكم الآية باق لى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ، وأما يوم أحد فإنما فر الناس من أكثر من ضعفهم ومع ذلك عنفوا لكون رسول الله ﷺ فيهم وفرارهم عنه، وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف أمام الكثرة، ويحتمل أن عفو الله عمن فر يوم أحد كان عفواً عن كبيرة، و ﴿متحرفاً لقتال﴾ يراد به الذي يرى أن فعله ذلك أنكى للعدو وأعود عليه بالشر، ونصبه على الحال، وكذلك نصب متحيز، وأما الاستثناء فهو من المولين الذين يتضمنهم ﴿من﴾، وقال قوم : الاستثناء هو من أنواع التولي.
قال القاضي أبو محمد : ولو كان ذلك لوجب أن يكون إلا تحرفاً وتحيزاً، والفئة ها هنا الجماعة من الناس الحاضرة للحرب، هذا على قول الجمهور في أن الفرار من الزحف كبيرة، وأما على القول الآخر فتكون ( الفئة ) : المدينة والإمام وجماعة المسلمين حيث كانوا، روي هذا القول عن عمر رضي الله عنه وأنه قال : أنا فئتكم أيها المسلمون(٣).
قال القاضي أبو محمد : وهذا منه على جهة الحيطة على المؤمنين إذ كانوا في ذلك الزمن يثبتون لأضعافهم مراراً، وفي مسند ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال لجماعة فرت في سرية من سراياه :«أنا فئة المسلمين »(٤) حين قدموا عليه، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«اتقوا السبع الموبقات » وعدد فيها الفرار من الزحف(٥)، و ﴿باء﴾ بمعنى نهض متحملاً للثقل المذكور في الكلام غضباً كان أو نحوه، والغضب من صفات الله عز وجل إذا أخذ بمعنى الإرادة فهي صفات ذات، وإذا أخذ بمعنى إظهار أفعال الغاضب على العبد فهي صفة فعل، وهذا المعنى أشبه بهذه الآية، والمأوى الموضع الذي يأوي إليه الإنسان.
١ - هي قوله تعالى في الآية (٦٦) من هذه السورة: ﴿الآن خفّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾..
٢ - من الآية (٢٥) من سورة (التوبة)..
٣ - أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم- عن عمر رضي الله عنه قال: "لا تغرنكم هذه الآية فإنها كانت يوم بدر، وإنا فئة لكل مسلم"..
٤ - اخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب المفرد، واللفظ له، وجماعة غيرهم- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا في غزوة فحاص الناس حيصة، قلنا: كيف نلقى النبي ﷺ وقد فررنا من الزحف وبُؤنا بالغضب؟ فأتينا النبي ﷺ قبل صلاة الفجر، فخرج فقال: (من القوم؟) فقلنا: نحن الفرارون، فقال: (لا، بل أنتم العكارون)، فقبلنا يده فقال: (أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين) ثم قرأ: ﴿إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة﴾. (الدر المنثور) قال ابن الأثير في "النهاية": "حاص الناس حيصة: جالوا جولة يطلبون الفرار، والمحيص: المهرب والمحيد"..
٥ - الحديث رواه مسلم في الإيمان، ورواه البخاري في الوصايا وفي الحدود، ولفظه كما في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات). ومعنى الموبقات: المهلكات- والتولي يوم الزحف هو الفرار عن القتال يوم التقاء المحاربين..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى