غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿ولا تولوا﴾ بالإدغام : البزي وابن فليح.
الوقوف :﴿تسمعون﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿لا يسمعون﴾ ه ﴿لا يعقلون﴾ ه ﴿لأسمعهم﴾ ط ﴿معرضون﴾ ه ﴿لما يحييكم﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الظرف ﴿تحشرون﴾ ه ﴿خاصة﴾ ج لما مر ﴿العقاب﴾ ه ﴿تشكرون﴾ ه ﴿تعلمون﴾ ه ﴿فتنة﴾ لا للعطف ﴿عظيم﴾ ه ﴿ويغفر لكم﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿أو يخرجوك﴾ ط ﴿ويمكر الله﴾ ط ﴿الماكرين﴾ ه.
ثم حذرهم الفتن والاختلاف فقال ﴿واتقوا فتنة﴾ قيل : هو العذاب. وقيل : افتراق الكلمة. وقيل : إقرار المنكر بين أظهرهم. وقوله ﴿لا تصيبن﴾ إما أن يكون جواباً للأمر وجاز دخول النون المؤكدة فيه مع خلوه من الطلب لأن فيه معنى النهي كقولك : انزل عن الدابة لا تطرحك وإن شئت قلت لا تطرحنك. وعلى هذا «من » في ﴿منكم﴾ للتبعيض. وقيل : الجواب محذوف والمعنى إن أصابتكم لا تصيب بعضكم وهم الظالمون حال كونهم ﴿خاصة﴾ ولكنها تعم الظالمين وغيرهم لأنه يحسن من الله تعالى ذلك بحكم المالكية أو لاشتمال ذلك على نوع من الصلاح، وإما أن يكون نهياً بعد أمر و «من » للبيان كأنه قيل : احذروا ذنباً أو عقاباً. ثم قيل لا تصيبنكم تلك العقوبة خاصة على ظلمكم كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص على طريق الاستعارة. وهكذا إن جعلت الجملة الناهية صفة للفتنة على إرادة القول أي اتقوا فتنة مقولاً فيها لا تصيبن كقوله :
جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط ***. . .
عن الحسن : نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل خاصة على ما قال الزبير : نزلت فينا وقرأناها زماناً وما رأينا أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها. وعن السدي : نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل. وروي أن الزبير كان يسامر النبي ﷺ يوماً إذ أقبل علي فضحك إليه الزبير فقال رسول الله ﷺ :«كيف حبك لعلي ؟ فقال : يا رسول الله بأبى أنت وأمي إني أحبه كحبي لولدي أو أشد حباً. قال : فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله ؟ » ثم ختم الآية بقوله ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : إن شر من دب في الوجود هم ﴿الصم﴾ عن استماع كلام الحق. يسمع القلب والقبول ﴿إليكم﴾ عن كلام الحق والكلام مع الحق. والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا بالذكر ﴿الذين لا يعقلون﴾ أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا خير البرية إلى أن يكونوا شرّ الدواب ﴿استجيبوا لله﴾ إنه تعالى يطلب بالمحجة من العبد الإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ويبقكيم به ﴿واعلموا أن الله يحول﴾ بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه ﴿وإنه إليه تحشرون﴾ بالفناء عنكم والبقاء به ﴿واتقوا﴾ أيها الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية. لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات إلى ما سواه ﴿واذكروا إذ أنتم﴾ أيها الأرواح والقلوب ﴿قليل﴾ لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية ﴿مستضعفون﴾ من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ. ﴿يخافون﴾ أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه ﴿فآواكم﴾ إلى حظائر القدس ﴿وأيدكم﴾ بالواردات الربانية ﴿ورزقكم﴾ المواهب الطاهرة من لوث الحدوث. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان ﴿لا تخونوا الله﴾ فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة ﴿وتخونوا أماناتكم﴾ التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات ﴿وأنتم تعلمون﴾ إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى ﴿فتنة﴾ يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بهذه المقامات والكرامات ﴿أن تتقوا الله﴾ من غير الله ﴿يجعل لكم فرقاناً﴾ يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم ﴿ويكفر عنكم﴾ سيئات وجودكم الفاني ﴿ويغفر لكم﴾ يستركم بأنوار جماله وجلاله ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه ﴿ليثبتوك﴾ أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك ﴿أو يخرجوك﴾ من عالم الأرواح ﴿والله خير الماكرين﴾ يصلح حال أهل الصلاح البتة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى