الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
وقوله :﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾[ ٢٥ ].
المبرد يذهب إلى أن ﴿تصيبن﴾، نهي، فلذلك دخلت " النون " (١).
والمعنى في النهي : للظالمين، أي : لا تقربوا / الظلم، وهو مثل ما حكى سيبويه(٢) من قوله :( لا أرينك هاهنا )، أي : لا تكن هاهنا ؛ فإن من يكون هاهنا أراه(٣).
وقال الزجاج : هو خبر(٤). ودخلته(٥) " النون " ؛ لأن فيه قوة الجزاء، قال : وزعم بعضهم(٦) أنه جزاء فيه ضرب(٧)من النهي، ومثله مما اختلف فيه :﴿ادخلوا(٨) مساكنكم لا يحطمنكم سليمان﴾(٩).
ومعنى ذلك : أنها أمر من الله للمؤمنين أن يتقوا اختبارا وبلاء يبتليهم(١٠) به، لا يصيبن ذلك ﴿الذين ظلموا﴾ بل يصيب الظالمين وغيرهم. فالظالمون هم الفاعلون الكفر(١١).
وقيل : نزلت في قوم من أصحاب النبي ﷺ، وهم أصحاب الجمل(١٢).
قال ابن عباس : أمر الله المؤمنين ألا يُقِروا(١٣) المنكر بين أظهرهم، فيعميهم الله بالعذاب(١٤).
وقال الزبير(١٥)، يوم الجمل لما لقي ما لقي، : ما توهمت أن هذه الآية نزلت في أصحاب محمد ﷺ، إلا اليوم(١٦).
وقال(١٧) القتيبي معناه : لا تخص الظالم، ولكنها تعم الظالم وغيره(١٨).
وقوله تعالى :﴿هل يهلك إلا القوم الظالمون﴾(١٩).
يدل على أن العقوبة تخص الظالم. وقد يدخل المداهن(٢٠) الساكت على رؤية(٢١) المنكر في الظلم، فيكون ممن يلحقه العقاب(٢٢) مع الظالم.
وقد قال الحسن : إن الآية نزلت في علي، وعثمان(٢٣). وطلحة، والزبير [ رضي الله عنهم ](٢٤).
وأكثر الناس على أن حكمها باق في الظالم، والمداهن الساكت على إنكار المنكر، وهو يقدر على إنكاره، فإن كان لا يقدر على الإنكار، وخاف على نفسه، أنكر على قدر استطاعته أو بقلبه(٢٥).
قوله :﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾[ ٢٥ ].
أي : لمن عصاه وخالف أمره(٢٦).
١ في المحرر الوجيز ٢/٥١٥: "والتأويل الآخر في الآية: هو أن يكون قوله: ﴿واتقوا فتنة﴾، خطابا عاما لجميع المؤمنين، مستقلا بنفسه، تم الكلام عنده. ثم ابتدأ نهي الظلمة خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة.. وهو قول أبي العباس المبرد..".
وفي تفسير القرطبي ٧/٢٤٩: "وقال أبو العباس المبرد: إنه نهي بعد أمر".
وفي البحر المحيط ٤/٤٧٨: "... وخرَّج المبرد، والفراء، والزجاج، قراءة ﴿لا تصيبن﴾ على أن تكون ناهية...".
وفي جامع البيان ١٣/٤٧٥: "فقال بعض نحويي البصرة:... ، قوله: ﴿لا تصيبن﴾ ليس بجواب، ولكنه نهي بعد أمر، ولو كان جوابا ما دخلت "النون"..

٢ الكتاب ٣/١٠١: هذا باب الحروف التي تنزل بمنزلة الأمر والنهي، لأن فيها معنى الأمر والنهي.
وفي الأصل: للأرينك، وهو تحريف..

٣ تفسير القرطبي ٧/٢٤٩، وفتح القدير ٢/٣٤٢، ولمزيد بيان، انظر: التبيان في إعراب القرآن ٢/٦٢١، والبحر المحيط ٤/٤٧٧، والدر المصون ٣/٤١١، والتحرير والتنوير ٩/٣١٧..
٤ في الأصل: خير، وهو تصحيف..
٥ في الأصل: ودخلنه، وهو تصحيف..
٦ الفراء في معاني القرآن ١/٤٠٧..
٧ كذا في المخطوطتين.
وفي معاني القرآن للفراء ١/٤٠٧، وجامع البيان ١٣/٤٧٥، وانظر: فيه هامش الشيخ شاكر، ومعاني القرآن للزجاج ٢/٤١٠، وزاد المسير ٣/٣٤١، طرف، بالطاء المهملة. وتصحفت في المحرر الوجيز ٢/٤١٥، إلى: طرق، بالقاف..

٨ النمل آية ١٨، والآية بتمامها: ﴿حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾..
٩ معاني القرآن وإعرابه ٢/٤١٠ بلفظ: "... وزعم بعض النحويين: أن الكلام جزاء، فيه طرف من النهي، فإذا قلت: انزل عن الدابة لا تطرحك ولا تطرحنك، فهذا جواب الأمر بلفظ النهي، فالمعنى: إن تنزل عنها لا تطرحك، فإذا أتيت بالنون الخفيفة أو الثقيلة كان أوكد للكلام. ومثله: ﴿يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم﴾ إنها أمرت بالدخول، ثم نهتهم أن يحطمهم سليمان، فقالت: ﴿لا يحطمنكم سليمان وجنوده﴾ فلفظ النهي لسليمان، ومعناه، للنمل..." انظر: معاني القرآن للفراء ١/٤٠٧، وجامع البيان١٣/٤٧٥، وأحكام ابن العربي ٢/٨٤٨، والمحرر الوجيز ٢/٥١٥، وزاد المسير ٣/٣٤١، وتفسير القرطبي ٧/٢٤٩، والبحر المحيط ٤/٤٧٨، والدر المصون ٣/٤١١..
١٠ في الأصل: ييتليهم، وهو تصحيف. وفي "ر": ساءهم..
١١ انظر: جامع البيان ١٣/٤٧٣، فكلام مكي هاهنا منتزع منه..
١٢ جامع البيان ١٣/٤٧٣..
١٣ في الأصل: ألا يقرب، وهو تحريف..
١٤ صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ٢٥٠، وجامع البيان ١٣/٤٨٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٨٢، وتفسير البغوي ٣/٣٤٦، بزيادة: "يصيب الظالم وغير الظالم"، وزاد المسير ٣/٣٤١، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٩، وفيه: "وهذا تفسير حسن جدا"، والدر المنثور ٤/٤٧..
١٥ هو: الزبير بن العوام بن خويلد القرشي الأسدي، أبو عبد الله، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى. انظر الإصابة ٢/٤٥٧-٤٦١..
١٦ انظر: تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/٢٥٧، وجامع البيان ١٣/٤٧٤، ٤٧٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٨٢، وزاد المسير ٣/٣٤١، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٨، ٢٩٩، والدر المنثور ٤/٤٦، وفتح القدير ٢/٣٤٣..
١٧ في الأصل: القتبي..
١٨ تفسير غريب القرآن ١٧٨، بلفظ: "لا تصيبن الظالمين خاصة..."..
١٩ الأنعام: ٤٨، والآية بتمامها: ﴿قل أرأيتكم إن آتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة...﴾
وفي المخطوطتين: ﴿فهل﴾ بـ"الفاء"، وأثبت نص التلاوة، وزيادة "الفاء"، في سورة الأحقاف آية ٣٧: ﴿... فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾[٣٤]..

٢٠ داهن: وهي المسالمة والمصالحة. المصباح / دهن..
٢١ في الأصل: على رواية، وأثبت ما في "ر"، لأنه الأنسب للسياق..
٢٢ في "ر": العذاب..
٢٣ في الأصل: وعمر. وأحسبها محرفة من "عمار"، كما سيأتي في بعض مصادر التوثيق أسفله..
٢٤ التفسير ١/٤٠٠، وجامع البيان ١٣/٤٧٤، وتفسير البغوي ٣/٣٤٥، وفيه: عمار، بدل عثمان، وزاد المسير ٣/٣٤١، وفيه: عمار، بدل: عثمان، وتفسير الخازن ٢/١٧٥، وفيه: عمار بدل: عثمان، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٩، وفيه: عمار، بدل: عثمان، والدر المنثور ٤/٤٦، وفتح القدير ٢/٣٤٣، والترضية زيادة من المحقق..
٢٥ انظر: أحكام ابن العربي ٢/٨٤٦، ٨٤٧، وقبسه ٣/١١٧٣، ١١٧٤، باب: عذاب العامة، وتفسير القرطبي ٤/٢٤٨، ٢٤٩، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٨، وما بعدها..
٢٦ انظر: جامع البيان ١٣/٤٧٤، ففيه توضيح ما أوجزه مكي هاهنا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى