تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة

عن الكتاب
٥١ – { ذلك بما قدمت أيديكم، وأن الله ليس بظلام للعبيد.
أي : هذا العذاب الذي ذقتموه بسبب ما كسبت أيديكم، من سيء الأعمال في حياتكم من كفر وظلم ؛ وهذا يشمل القول والعمل.
ونسب ذلك إلى الأيدي، وإن كان قد يقع من الأرجل وسائر الحواس ؛ أو بتدبير العقل ؛ من أجل أن العادة قد جرت، بأن أكثر الأعمال البدنية تزاول بالأيدي.
﴿وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾.
لقد جازاكم الله عدلا لا ظلما ؛ لأن الله لا يظلم أحدا من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجوز أبدا، قال تعالى :﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾. ( الأنبياء : ٤٧ ).
جاء في الحديث القدسي الصحيح، الذي رواه مسلم : عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى يقول : يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا... يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " xlii.
ظالم وظلام
نجد أن قوله تعالى :﴿وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾. قد جاء فيها التعبير بنفي الظلم عن الله بصيغة المبالغة ﴿ظلام﴾. وهل إذا انتفت المبالغة في الظلم، أينتفي معها الظلم نفسه ؟
والجواب – والله أعلم – أن صيغة المبالغة هنا، إنما تكشف عن وجه البلاء الذي وقع بالمشركين، وأنه بلاء عظيم، وعذاب أعظم، وأن الذي ينظر إليه يجد ألا جريمة توازي هذا العقاب ؛ وتتوازن معه في شدته، وشناعته، حتى ليخيل للناظر أن القوم قد ظلموا، وأنه قد بولغ في ظلمهم إلى أبعد حد، فجاء قوله تعالى :﴿وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾. ليدفع هذا الوهم الذي يقع في نفس من يرى هذا البلاء الذي حل بهؤلاء القوم الضالين، وهو بلاء فوق بلاء، فوق بلاء ! ! xliii.
وجاء في تفسير القاسمي ما يأتي :
إن قيل : ما سر التعبير بقوله :﴿ظلام﴾. بالمبالغة مع أن نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته، ونفي الكثرة لا ينفي أصله، بل ربما يشعر بوجوده، وبرجوع النفي للقيد ؟
وأجيب بأجوبة :
منها : أن ﴿ظلاما﴾. للنسب كعطار. أي : لا ينسب إليه الظلم أصلا.
ومنها : أن العذاب من العظم ؛ بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلاما بليغ الظلم متفاقمه ؛ فالمراد : تنزيه الله تعالى، وهو جدير بالمبالغةxliv.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى