تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى : إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ أي : مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أي : المسالمة والمصالحة والمهادنة، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أي : فمل إليها، واقبل منهم ذلك ؛ ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله ﷺ تسع سنين ؛ أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا فضيل بن سليمان - يعني : النميري - حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن إياس بن عمرو الأسلمي، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" إنه سيكون بعدى اختلاف - أو : أمر - فإن استطعت أن يكون السلم، فافعل " (١)
وقال مجاهد : نزلت في بني قريظة.
وهذا فيه نظر ؛ لأن السياق كله في وقعة بدر، وذكرها مكتنف لهذا كله.
وقول ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، وعكرمة، والحسن، وقتادة : إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في " براءة " :﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩] فيه نظر أيضًا ؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفًا، فإنه تجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم.
وقوله :﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي : صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك،
١ زوائد المسند (١/٩٠) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٣٤): "رجاله ثقات".
.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى