زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿حَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ قال الزجاج : تأويله : حثهم. وتأويل التحريض في اللغة : أن يحث الإنسان على الشيء حثا يعلم أنه حارض إن تخلف عنه. والحارض : الذي قد قارب الهلاك.
قوله تعالى :﴿إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ﴾ لفظ هذا الكلام لفظ الخبر، ومعناه الأمر، والمراد : يقاتلوا مائتين، وكان هذا فرضا في أول الأمر، ثم نسخ بقوله :﴿الآن خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ ففرض على الرجل أن يثبت لرجلين، فإن زادوا جاز له الفرار. قال مجاهد : وهذا التشديد كان في يوم بدر. واتفق القراء على قوله ﴿إِن يَكُن مّنكُمْ﴾ فقرؤوا ﴿يَكُنِ﴾ بالياء، واختلفوا في قوله :﴿وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا﴾، وفي قوله :﴿فَإنٍ يكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ﴾ فقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر : بالتاء فيهما. وقرأهما عاصم، وحمزة، والكسائي : بالياء. وقرأ أبو عمرو ﴿يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ﴾ بالياء، ﴿فَإنٍ تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ﴾ بالتاء. قال الزجاج : من أنث، فللفظ المائة ؛ ومن ذكَّر، فلأن المائة وقعت على عدد مذكر. وقال أبو علي : من قرأ بالياء، فلأنه أريد منه المذكر، بدليل قوله :﴿يَغْلِبُواْ﴾، وكذلك المائة الصابرة هم رجال، فقرؤوها بالياء، لموضع التذكير. فأما أبو عمرو، فإنه لما رأى صفة المائة مؤنثة بقوله :﴿صَابِرَةٌ﴾ أنث الفعل، ولما رأى ﴿يَغْلِبُواْ﴾ مذكرا، ذكّر. ومعنى الكلام : إن يكن منكم عشرون صابرون يثبتون عند اللقاء، يغلبوا مائتين، لأن المؤمنين يحتسبون أفعالهم، وأهل الشرك يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب، فإذا صدقهم المؤمنون القتال لم يثبتوا ؛ وذلك معنى قوله :﴿لاَّ يَفْقَهُونَ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى