التفسير المظهري — المظهري

عن الكتاب
﴿ليحق الحق﴾متعلق بيقطع أو بمحذوف تقديره فعل ما فعل ليثبت الإسلام ﴿ويبطل الباطل﴾ يعني الكفر وليس في الكلام تكرير فإن الأول لبيان المراد وبيان ما بين مراده تعالى ومرادهم من التفاوت والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول إلى اختيار ذات الشوكة ونصرة عليها ﴿ولو كره المجرمون﴾ يعني المشركين ذلك. رجعنا إلى القصة : ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران فسلك ثنايا يقال له الأصافر ثم انحط منها إلى بلد يقال له الدية وترك الحنان عن يمين وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر فركب هو وأبو بكر الصديق حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم قال : الشيخ بلغني ان محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان الذي أخبرني صدقني فهو اليوم بمكان كذا المكان الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا فإن كان الذي أخبرني صدق فهم اليوم في مكان كذا المكان الذي فيه قريش، ثم قال : من أنتما ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن من ماء. قال : ابن إسحاق : ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له فأصابوا رواية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج وأبو يسار غلام بني العاص بن سعيد فأتوا بهما فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فقالا : نحن سقاط قريش بعثونا نسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما فلما إذ لقوهما قالا : نحن لأبي سفيان فتركوهما وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش أخبراني عن قريش، قالا : هم وراء هذا الكثيب الذي يرى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل، فقال : لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كم القوم ؟ قالا : كثير، قال ما عدتهم ؟ قالا : لا ندري، قال كم ينحرون كل يوم ؟ قال : يوما تسعا ويوما عشرا، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم بين التسعمائة والألف، ثم قال : لهما رسول الله صلى الله عليه : ما بين التسعمائة والألف، ثم قال : لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيهم من الأشراف ؟ قالا : عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبو البختري ابن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر وطعيمة بن عدي والنضر بن الحارث وربيعة الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهل بن عمرو وعمرو بن عبود، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هذه مكة قد ألقت إليكم فلاذ كبدها " قال ابن عابد : وكان مسيرهم وإقامتهم حتى بلغوا الجحفة عشر ليال وكان بسيس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء قد مضيا إلى بدر فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم أخذ أشنانهما يسقيان فيه ومجدي بن عمر الجهني على الماء فسمع عدي وبسيس جاريتين من جوار الحاضر يتلازمان على الماء والملزومة تقول بصاحبتها إنما يأتي العير غدا أو بعد غد فاعمل لهم ثم أعطيك الذي لك، قال : مجدي صدقت وسمع ذلك عدي وبسيس فجلسا على بعيرهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بما سمعا. قال : ابن إسحاق وغيره : وأقبل أبو سفيان بالعير وقد خاف خوفا شديدا حين دنوا المدينة واستبطأ ضمضم بن عمرو النضير حتى ورد بدرا وهو خائف وتقدم أبو سفيان أمام العير حذرا حتى ورد الماء فرأى مجدي ابن عمرو الجهني فقال : هل أحسست أحدا ؟ قال : ما رأيت أحدا أنكره إلا أني رأيت راكبين يعني بسيسا وعيا قد أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان إلى مناخهما فأخذ من أبعار بعيرهما ففته فإذا فيه النوى فقال : هذه والله علاف يثرب فرجع إلى أصحابه سيرا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا بيسار وانطلق وأسرع فسار ليلا ونهارا فرقا من الطلب، فلما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش قيس بن أمراء القيس إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم وقد نجاها الله تعالى فارجعوا فأتاهم الخبر وهم بالحجفة، فقال : أبو جهل والله لا نرجع حتى نرد بدرا موسما من مواسم العرب يجتمع به سوق كل عام فقيم عليه ثلثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف القينات ويسمع بنا العرب وبمسيرنا فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها وكره أهل الرأي المسير و مشى بعضهم إلى بعض، وكان ممن أبطأهم عن ذلك الحارث بن عامر وأمية بن خلف وعتبة ابنا ربيعة وحكيم بن حزام وأبو البختري وعلي بن أمية بن خلف وأبو العاصي حتى بكتهم أبو جهل بالجبن وأعانه عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث والحارث بن كلدة وأجمعوا على المسير.
قال الأخنس بن شريق وكان حليف بني زهيرة يا بني زهرة قد نجا الله أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وإنما نفرتم لتمنعوه وماله فارجعوا إلى مكة وكانوا نحو مائة ويقال : ثلاثمائة فلم يشهدها زهير الأرجلين هما عما مسلم بن شهاب الزهري وقتلا كافرين : قال : ابن سعد : ولحق قيس بن امرؤ القيس أبا سفيان فأخبره بمجيء قريش فقال : واقوماه هذا عمل عمرو بن هشام يعني أبا جهل واغتبطت بنو زهرة بعد برأي الأخنس فلم يزل فيهم مطاعا وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتد عليهم أبو جهل وقال : لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع، ومضت قريش حتى نزلت بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعدوة الدنيا وغلب المشركون المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمئ المسلمون وأصابهم ضيق شديد وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ فوسوس إليهم تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم مصلون مجنبين فأنزل الله تعالى تلك الليلة المطر، وكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم وكان المسلمين طلا طهرهم الله تعالى به وأذهب عنهم رجز الشيطان و طابهم الأرض وصلب الرمل وثبت الأقدام ومهد بن المنزل وربط على قلوبهم ولم يمنعهم عن المسير وسال الوادي فشرب المؤمنون وملأوا الأسقية وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس ألقى عليهم فناموا حتى ان أحدهم وقفه بين يديه وما يشعر حتى يقلع على جنبه. روى أبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن علي قال : ماكان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت الشجرة حتى أصبح وكانت ليلتا الجمعة وبين الفريقين فوز وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن يسار وعبد الله بن مسعود فأطفا بالقوم رجعا فأخبرا أن القوم مذعورون وأن السماء تسيح عليهم، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم عشاء يبادرهم الماء فسبقهم إليه ومنعهم من السبق إليه المطر حتى جاء أدنى ماء من بدر فنزل به. فقال الحباب بن المنذر بن الجموح فيما رواه ابن إسحاق : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزكه أنزل له الله ليس لنا ان نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة، قال : يا رسول الله ليس هذا بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتنزله ثم نغور ما وراءه من القليب ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء فنشرب ولا يشربون فقال صلى الله " لقد أشرت بالرأي " وذكر ابن سعد أن جبرئيل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الرأي ما أشار به الحباب، فنهض صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس حتى إذا أدنى ماء من القوم نزل عليه نصف الليل ثم أمر بالقليب فغورت وبني حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماءا ثم قذفوا فيه الآنية، فقال : سعد بن معاذ يا رسول الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقي عدونا، فإن أظهرنا الله على عدونا كان ذلك ماأحببنا وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن أشد لك حبا منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله عز وجل بهم يناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش على تل مشرف على المعركة فيه وأبو بكر وليس معهما وقام سعد بن معاذ بابه متوشحا بالسيف، ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع المعركة وجعل يشير بيده هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان إن شاء فما تعدى منهم احد موضع إشارته (١) رواه أحمد ومسلم وغيرهما، وروى الطبراني عن رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يوم بدر :" والذي نفسي بيده لو ان مولودا ولد من اهل الدين يعمل بطاعة الله كلها إلى أن يرد إلى أرذل العمر لم يبلغ أحدكم هذه الليلة، وقال :" إن الملائكة الذين شهدوا بدرا في السماء لفضلاء على من تخلف منهم " رجال ثقات إلا جعفر بن معلاص فإنه غير معروف. وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر وارتحلت قريش بحدها وحديدها تحاد الله عز وجل وتحاد رسول الله وجاؤوا على حرد قادرين وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما يريدون من اخذ عيرهم وقتل من فيها وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الخضرمي والعير التي كانت معه وذلك ما ذكرنا قصته في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى :﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ (٢) فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذي جاؤوا منه على الوادي وكان أول من طلع زمعة بن الأسود علفرس له لم يتبعه ابنه فاستجال بفرسه يريد أن يتبوا للقوم منزلا فقال صلى الله عليه وسلم :" هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تجادل وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أمتهم بالغداة " ولما رأى صلى الله عليه وسلم عتبة بن ربيعة على جمل أحمر قال :" إن يك في احد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا " فقال : هو عتبة ينهى عن القتال ويأمر بالرجوع ويقول : ياقوم اعصبوها اليوم وقولوا جبن عتبة وأبو جهل يأبى وبعث خفاف بن أيما بن رخصة الغفاري أو أبوه وأسلم الثلاثة بعد ذلك على قريش بجزائر أهداها لهم مع ابنه، وقال إن أحببتم ان نمدكم بسلاح ورجال فعلنا فأرسلوا إليه أن وصلتك رحم قد قضيت الذي عليك فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا من ضعف عنهم ولئن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد ما لأحد بالله من طاقة، فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم حكيم بن حزام، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" دعوهم " فما قرب منهم أحد إلا قتل إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل وأسلم بعد ذلك وحسن إسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال : لا والذي نجاني يوم بدر فلما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي وأسلم بعد ذلك فقالوا له احزر لنا أصحاب محمد فجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال : ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا وينقصون لكن أمهلوني حتى أنظر للقوم كمين مدد فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا فرجع إليهم، فقال ما رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم أما ترونهم حرسا يتكلمون يتلمظون تلمظ الأفاعي والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل منكم فإذا أصابوا م
١ أخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب غزود بدر(١٧٧٩)، واخرجه النسائي في كتاب: الجنائز، باب: أرواح المؤمنين (٢٠٦٥)، وأخرجه أبوداود في كتاب: الجهاد، باب: في الأسير ينال منه ويضرب (٢٦٧٩)..
٢ سورة البقرة الاية ٢١٧.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى