بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
﴿لِيُحِقَّ الحق﴾، أي يظهر الإسلام. ﴿وَيُبْطِلَ الباطل﴾، يعني الشرك. ﴿وَلَوْ كَرِهَ المجرمون﴾، أي المشركون.
فقال لهم النبي ﷺ :« سِيرُوا عَلَىَ بَرَكَةِ الله، فَإِنِي رَأَيْتُ مَصَارِعَ القَومِ ». وجاءت قريش وأدركوا العير وأفلتوهم، فقال بعضهم لبعض : إنما خرجتم لأجل العير، فلما وجدتم العير فارجعوا سالمين. فقال أبو جهل : لا نرجع حتى نقتل محمداً ومن معه. فسار النبي ﷺ حتى نزل بدراً بجانب الوادي الأدنى، ونزل المشركون على جانبه الأقصى على الماء، والوادي فيما بينهما. فصلى رسول الله ﷺ تلك الليلة، حتى أوتر. وكانت ليلة النصف من شهر رمضان، وقال في قنوته :" اللَّهُمَّ لا تُفْلِتَنَّ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشّامِ وَفُلاَناً وفلاناً " فباتوا تلك الليلة وقد أجنبوا وليس معهم ماء، فأتاهم الشيطان عند ذلك ووسوس إليهم، فقال لهم : تزعمون أنكم على دين الله، وأنكم تصلون محدثين مجنبين، والمشركون على الماء. وكان الوادي ذا رمل تغيب فيه الأقدام، فمطرت السماء حتى سال الوادي، فاشتد ذلك الرمل واغتسل المسلمون من جنابتهم وشرّبوا دوابهم ؛ فذلك قوله :﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم من السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام﴾ [الأنفال: ١١] إلى قوله :﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الاقدام﴾ [الأنفال: ١١]
وكان عليّ والزبير يحرسان رسول الله ﷺ، فجاء سقاة قريش يسقون الماء، فأخذهم عليّ والزبير، فسألاهم عن أبي سفيان، فقالوا : ما لنا بأبي سفيان من علم. فقالا : فمع من أنتم ؟ فقالوا : مع قريش من أهل مكة. فقالا : كم هم ؟ قالوا : لا ندري، هم كثير فضرباهم فقالوا : هم قليل فتركاهم. فقال رسول الله ﷺ :« تَضْرِبُونَهُمْ إنْ صَدَقُوكُمْ، وَتَتْرُكُونَهُمْ إنْ كذَبُوكُمْ ». فدعاهم رسول الله ﷺ وقال :
« كَم القَوْمُ » فقالوا : هم كثير فلا ندري كم هم. فقال :« كَمْ يُنْحَرُ لَهُمْ في كُلِّ يَوْمٍ » فقالوا : في يوم ينحر لهم عشرة جزر، وفي يوم تسعة. فقال النبي ﷺ :« القَوْمُ ما بَيْنَ تِسْعِمائَةٍ إلى أَلْفٍ » وكانت عدتهم تسعمائة وخمسين، وكانوا قد خرجوا من مكة ألفاً ومائتين وخمسين، فرجع الأخنس بن شريق مع ثلاثمائة من بني زهرة مع العير، وبقي تسعمائة وخمسون رجلاً. فصلى رسول الله ﷺ صلاة الغداة ورفع يديه وقال :« اللَّهُمَّ لا تُهْلِكْ هذه العِصَابَةَ فَإنَّكَ إنْ أَهْلَكْتُهُمْ، لا تعْبَد عَلَى وَجْهِ الأرض أبَداً » فقال أبو بكر : يا رسولَ الله، قد دنا القوم. فقال النبي ﷺ :« أَبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ، فإنِّي رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مُعْتَمراً بِعِمَامةٍ، يقودُ فَرَساً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرض ». فأمدَّه الله بجبريل في ألف من الملائكة، وميكائيل في ألف من الملائكة، وإسرافيل في ألف من الملائكة ؛ فذلك قوله ﴿بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا يُمدكُمْ رَبُّكُمْ بِثلاثة ءالاف مِّنَ الملائكة مُنزلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤].
فقال أبو جهل : اللهم انصر أحب الدينين إليك، ديننا العتيق ودين محمد الحديث. وقال عتبة بن ربيعة : يا معشر قريش، إنّ محمداً رجل منكم، فإن يكن نبياً فأنتم أسعد الناس به، وإن يكن ملكاً تعيشوا في ملك أخيكم، وإن يكن كاذباً يقتله سواكم، لا يكون هذا منكم. وإني مع ذلك لأرى قوماً زرق العيون لا يموتون، حتى يقتلوا عدداً منكم. فقال أبو جهل : يا أبا الوليد، جبنت وانتفخ سحرك. فقال له عتبة يا كذاب ستعلم اليوم أيّنا الجبان فلبس لأمته، وخرج معه أخوه شيبة بن ربيعة، وخرج معه ابنه الوليد بن عتبة، فتقدموا إلى القوم وقالوا : يا محمد، ابعث لنا أكفاءنا. فخرج إليهم قوم من الأنصار، فقالوا : من أنتم ؟ فقالوا : نحن أنصار الله ورسوله فقالوا : لا نريدكم ولكن نريد إخواننا من قريش، فانصرفوا. فقال النبي ﷺ :« يا بَنِي هَاشمٍ تَقَدَّمُوا إلَيْهِمْ » فقام عليّ بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعليهم البيض فقال لهم عتبة : تكلموا حتى نعرفكم. فقال حمزة : أنا أسد الله وأسد رسوله. فقال عتبة : كفوء كريم. قال : فمن هذان معك ؟ فقال : عليّ بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. فذهب الشيخ إلى الشيخ والشاب إلى الشاب والكهل إلى الكهل ؛ فذهب عبيدة بن الحارث إلى شيبة بن ربيعة وكلاهما شيخان، وذهب عليّ إلى الوليد بن عتبة وكلاهما شابان، وذهب حمزة إلى عتبة بن ربيعة وكلاهما كهلان. فقتل حمزة بن عبد المطب عتبة بن ربيعة، وقتل عليّ بن أبي طالب الوليد بن عتبة، واختلف عبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة في ضربتين، ضرب عبيدة بالسيف على رأس شيبة بن ربيعة، وضرب شيبة ضربة في رجل عبيدة.
فمال حمزة وعليٌّ على شيبة بن ربيعة، فقتلاه وحملا عبيدة إلى العسكر، فمات عبيدة في حال انصرافهم قبل أن يصل إلى المدينة، فدفن بمضيق الصفراء. ففي هذا الخبر دليل من الفقه أن المشركين إذا طلبوا البراز، فلا بأس للمؤمنين بأن يخرجوا بغير إذن الإمام، ما لم ينههم عن ذلك ؛ لأن الأنصار قد خرجوا قبل أن يأذن لهم رسول الله ﷺ ؛ وفيه دليل أنه لا بأس بأن ينصر أحد المبارزين صاحبه، لأن حمزة وعليّاً قد أعانا عبيدة على قتل شيبة ؛ وفيه دليل أنه لا بأس بالافتخار عند الحرب، لأن حمزة قال : أنا أسد الله، وأسد رسوله. ولا بأس بأن يتبختر في مشيته في حال القتال. ثم خرج مهجع مولى عمر بن الخطاب، فأصابته رمية بين الصفين ؛ فكان أول قتيل يوم بدر وحرض رسول الله ﷺ الناس على القتال، فقال عمير بن الحمام السلمي، وهو قائم وفي يده تمرات يأكلها : يا رسول الله، إن قتلت في سبيل الله فلي الجنة ؟ قال : نعم. فألقى التمرات، وأخذ سيفه وشدّ على القوم، فقاتل حتى قتل. فخرج أبو جهل بن هشام على جمل له لعنه الله فخرج إليه شاب من الأنصار، يقال له معاذ بن عمرو بن الجموح، فضربه ضربة على فخذه فخر أبو جهل عن بعيره. فخرج إليه عبد الله بن مسعود، فلما رآه أبو جهل، قال : يا ابن أم عبد لمن الدولة ؟ وعلى من الدائرة ؟ فقال له ابن مسعود : لله ولرسوله يا عدو الله لأنت أعتى من فرعون، لأن فرعون جزع عند الغرق وأنت لم يزدك هذا الصرع إلاَّ تمادياً في الضلالة ؟ ثم وضع رجله على عاتق أبي جهل، فقال له أبو جهل : لأنت رويعنا بالأمس، لقد ارتقيت مرتقًى عظيماً. فقتله ابن مسعود وحز رأسه، وجاء برأسه إلى رسول الله ﷺ ؛ فخر رسول الله ﷺ ساجداً ثم قال لأبي بكر، ويقال لعليّ :« نَاوِلْنِي كَفّاً مِنْ تُرَابٍ ». فأخذ رسول الله ﷺ قبضة من التراب، وَرَمَاهَا في وجوه القوم وقال :« شَاهَتِ الوُجُوهُ » لت في أعين القوم كلهم، فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرون منهم، وحملوا على المشركين والملائكة معهم وقُذِف في قلوب المشركين الرعب، فقتلوا في تلك المعركة منهم سبعين، وأسروا سبعين، واستشهد يومئذ من المهاجرين ثلاثة عشر رجلاً. ورجع رسول الله ﷺ بالأسارى والغنائم إلى المدينة، واستشار النبي ﷺ في أمر الأسارى، فأقبل على أبي بكر فقال :
« مَا تَقُولُ يَا أبَا بَكْرٍ » ؟ فقال : قومك وبنو عمك، فإن قتلتهم صاروا إلى النار، وإن تُقِدْهُمْ فلعل الله يهديهم إلى الإسلام، ويكون ما نأخذه منهم قوة للمسلمين وقوة على جهاد أعدائهم. ثم أقبل على عمر فقال :« مَا تَقُولُ يَا أبَا حَفْصٍ » فقال عمر : إن في يديك رؤوس المشركين وصناديدهم، فاضرب أعناقهم وسيغني الله المؤمنين من فضله. فقال النبي ﷺ :« إِنَّ مَثَلَكَ يَا أبَا بَكْرٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ مَثَلُ مِيكائِيلَ فَإنَّهُ لاَ يَنْزِلُ إلاَّ بالرَّحْمَةَ، وَمَثَلَكَ مِنَ الأَنْبِياءِ مَثَلُ إبْرَاهِيمَ، حَيْثَ قَالَ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ الناس فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وَمَثَلُ عِيسَى، حَيْثُ قَال ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] وَمَثْلُكَ يا عُمَرُ من الملائكة مَثَلُ جِبْرِيلَ فَإنَّهُ يَنْزِلُ بِالعَذَابِ وَالشِّدَّةِ، وَمَثَلُكَ مِنَ الأنْبِيَاءِ مَثَلُ نُوْحٍ، حَيْثُ قَالَ :﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦] وَمَثَلُ مُوسَى، حَيْثُ قَالَ :﴿وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاّهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨] ». وروى سماك بن حرب، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال قيل للنبي ﷺ حين فرغ من بدر : عليك بالعير، فإنه ليس دونها شيء. فناداه العباس وهو أسير في وثاقه : إنه لا يصلح. فقال له النبي ﷺ :« لِمَ » ؟ قال : لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك.
فقال لهم النبي ﷺ :« سِيرُوا عَلَىَ بَرَكَةِ الله، فَإِنِي رَأَيْتُ مَصَارِعَ القَومِ ». وجاءت قريش وأدركوا العير وأفلتوهم، فقال بعضهم لبعض : إنما خرجتم لأجل العير، فلما وجدتم العير فارجعوا سالمين. فقال أبو جهل : لا نرجع حتى نقتل محمداً ومن معه. فسار النبي ﷺ حتى نزل بدراً بجانب الوادي الأدنى، ونزل المشركون على جانبه الأقصى على الماء، والوادي فيما بينهما. فصلى رسول الله ﷺ تلك الليلة، حتى أوتر. وكانت ليلة النصف من شهر رمضان، وقال في قنوته :" اللَّهُمَّ لا تُفْلِتَنَّ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشّامِ وَفُلاَناً وفلاناً " فباتوا تلك الليلة وقد أجنبوا وليس معهم ماء، فأتاهم الشيطان عند ذلك ووسوس إليهم، فقال لهم : تزعمون أنكم على دين الله، وأنكم تصلون محدثين مجنبين، والمشركون على الماء. وكان الوادي ذا رمل تغيب فيه الأقدام، فمطرت السماء حتى سال الوادي، فاشتد ذلك الرمل واغتسل المسلمون من جنابتهم وشرّبوا دوابهم ؛ فذلك قوله :﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم من السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام﴾ [الأنفال: ١١] إلى قوله :﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الاقدام﴾ [الأنفال: ١١]
وكان عليّ والزبير يحرسان رسول الله ﷺ، فجاء سقاة قريش يسقون الماء، فأخذهم عليّ والزبير، فسألاهم عن أبي سفيان، فقالوا : ما لنا بأبي سفيان من علم. فقالا : فمع من أنتم ؟ فقالوا : مع قريش من أهل مكة. فقالا : كم هم ؟ قالوا : لا ندري، هم كثير فضرباهم فقالوا : هم قليل فتركاهم. فقال رسول الله ﷺ :« تَضْرِبُونَهُمْ إنْ صَدَقُوكُمْ، وَتَتْرُكُونَهُمْ إنْ كذَبُوكُمْ ». فدعاهم رسول الله ﷺ وقال :
« كَم القَوْمُ » فقالوا : هم كثير فلا ندري كم هم. فقال :« كَمْ يُنْحَرُ لَهُمْ في كُلِّ يَوْمٍ » فقالوا : في يوم ينحر لهم عشرة جزر، وفي يوم تسعة. فقال النبي ﷺ :« القَوْمُ ما بَيْنَ تِسْعِمائَةٍ إلى أَلْفٍ » وكانت عدتهم تسعمائة وخمسين، وكانوا قد خرجوا من مكة ألفاً ومائتين وخمسين، فرجع الأخنس بن شريق مع ثلاثمائة من بني زهرة مع العير، وبقي تسعمائة وخمسون رجلاً. فصلى رسول الله ﷺ صلاة الغداة ورفع يديه وقال :« اللَّهُمَّ لا تُهْلِكْ هذه العِصَابَةَ فَإنَّكَ إنْ أَهْلَكْتُهُمْ، لا تعْبَد عَلَى وَجْهِ الأرض أبَداً » فقال أبو بكر : يا رسولَ الله، قد دنا القوم. فقال النبي ﷺ :« أَبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ، فإنِّي رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مُعْتَمراً بِعِمَامةٍ، يقودُ فَرَساً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرض ». فأمدَّه الله بجبريل في ألف من الملائكة، وميكائيل في ألف من الملائكة، وإسرافيل في ألف من الملائكة ؛ فذلك قوله ﴿بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا يُمدكُمْ رَبُّكُمْ بِثلاثة ءالاف مِّنَ الملائكة مُنزلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤].
فقال أبو جهل : اللهم انصر أحب الدينين إليك، ديننا العتيق ودين محمد الحديث. وقال عتبة بن ربيعة : يا معشر قريش، إنّ محمداً رجل منكم، فإن يكن نبياً فأنتم أسعد الناس به، وإن يكن ملكاً تعيشوا في ملك أخيكم، وإن يكن كاذباً يقتله سواكم، لا يكون هذا منكم. وإني مع ذلك لأرى قوماً زرق العيون لا يموتون، حتى يقتلوا عدداً منكم. فقال أبو جهل : يا أبا الوليد، جبنت وانتفخ سحرك. فقال له عتبة يا كذاب ستعلم اليوم أيّنا الجبان فلبس لأمته، وخرج معه أخوه شيبة بن ربيعة، وخرج معه ابنه الوليد بن عتبة، فتقدموا إلى القوم وقالوا : يا محمد، ابعث لنا أكفاءنا. فخرج إليهم قوم من الأنصار، فقالوا : من أنتم ؟ فقالوا : نحن أنصار الله ورسوله فقالوا : لا نريدكم ولكن نريد إخواننا من قريش، فانصرفوا. فقال النبي ﷺ :« يا بَنِي هَاشمٍ تَقَدَّمُوا إلَيْهِمْ » فقام عليّ بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعليهم البيض فقال لهم عتبة : تكلموا حتى نعرفكم. فقال حمزة : أنا أسد الله وأسد رسوله. فقال عتبة : كفوء كريم. قال : فمن هذان معك ؟ فقال : عليّ بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. فذهب الشيخ إلى الشيخ والشاب إلى الشاب والكهل إلى الكهل ؛ فذهب عبيدة بن الحارث إلى شيبة بن ربيعة وكلاهما شيخان، وذهب عليّ إلى الوليد بن عتبة وكلاهما شابان، وذهب حمزة إلى عتبة بن ربيعة وكلاهما كهلان. فقتل حمزة بن عبد المطب عتبة بن ربيعة، وقتل عليّ بن أبي طالب الوليد بن عتبة، واختلف عبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة في ضربتين، ضرب عبيدة بالسيف على رأس شيبة بن ربيعة، وضرب شيبة ضربة في رجل عبيدة.
فمال حمزة وعليٌّ على شيبة بن ربيعة، فقتلاه وحملا عبيدة إلى العسكر، فمات عبيدة في حال انصرافهم قبل أن يصل إلى المدينة، فدفن بمضيق الصفراء. ففي هذا الخبر دليل من الفقه أن المشركين إذا طلبوا البراز، فلا بأس للمؤمنين بأن يخرجوا بغير إذن الإمام، ما لم ينههم عن ذلك ؛ لأن الأنصار قد خرجوا قبل أن يأذن لهم رسول الله ﷺ ؛ وفيه دليل أنه لا بأس بأن ينصر أحد المبارزين صاحبه، لأن حمزة وعليّاً قد أعانا عبيدة على قتل شيبة ؛ وفيه دليل أنه لا بأس بالافتخار عند الحرب، لأن حمزة قال : أنا أسد الله، وأسد رسوله. ولا بأس بأن يتبختر في مشيته في حال القتال. ثم خرج مهجع مولى عمر بن الخطاب، فأصابته رمية بين الصفين ؛ فكان أول قتيل يوم بدر وحرض رسول الله ﷺ الناس على القتال، فقال عمير بن الحمام السلمي، وهو قائم وفي يده تمرات يأكلها : يا رسول الله، إن قتلت في سبيل الله فلي الجنة ؟ قال : نعم. فألقى التمرات، وأخذ سيفه وشدّ على القوم، فقاتل حتى قتل. فخرج أبو جهل بن هشام على جمل له لعنه الله فخرج إليه شاب من الأنصار، يقال له معاذ بن عمرو بن الجموح، فضربه ضربة على فخذه فخر أبو جهل عن بعيره. فخرج إليه عبد الله بن مسعود، فلما رآه أبو جهل، قال : يا ابن أم عبد لمن الدولة ؟ وعلى من الدائرة ؟ فقال له ابن مسعود : لله ولرسوله يا عدو الله لأنت أعتى من فرعون، لأن فرعون جزع عند الغرق وأنت لم يزدك هذا الصرع إلاَّ تمادياً في الضلالة ؟ ثم وضع رجله على عاتق أبي جهل، فقال له أبو جهل : لأنت رويعنا بالأمس، لقد ارتقيت مرتقًى عظيماً. فقتله ابن مسعود وحز رأسه، وجاء برأسه إلى رسول الله ﷺ ؛ فخر رسول الله ﷺ ساجداً ثم قال لأبي بكر، ويقال لعليّ :« نَاوِلْنِي كَفّاً مِنْ تُرَابٍ ». فأخذ رسول الله ﷺ قبضة من التراب، وَرَمَاهَا في وجوه القوم وقال :« شَاهَتِ الوُجُوهُ » لت في أعين القوم كلهم، فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرون منهم، وحملوا على المشركين والملائكة معهم وقُذِف في قلوب المشركين الرعب، فقتلوا في تلك المعركة منهم سبعين، وأسروا سبعين، واستشهد يومئذ من المهاجرين ثلاثة عشر رجلاً. ورجع رسول الله ﷺ بالأسارى والغنائم إلى المدينة، واستشار النبي ﷺ في أمر الأسارى، فأقبل على أبي بكر فقال :
« مَا تَقُولُ يَا أبَا بَكْرٍ » ؟ فقال : قومك وبنو عمك، فإن قتلتهم صاروا إلى النار، وإن تُقِدْهُمْ فلعل الله يهديهم إلى الإسلام، ويكون ما نأخذه منهم قوة للمسلمين وقوة على جهاد أعدائهم. ثم أقبل على عمر فقال :« مَا تَقُولُ يَا أبَا حَفْصٍ » فقال عمر : إن في يديك رؤوس المشركين وصناديدهم، فاضرب أعناقهم وسيغني الله المؤمنين من فضله. فقال النبي ﷺ :« إِنَّ مَثَلَكَ يَا أبَا بَكْرٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ مَثَلُ مِيكائِيلَ فَإنَّهُ لاَ يَنْزِلُ إلاَّ بالرَّحْمَةَ، وَمَثَلَكَ مِنَ الأَنْبِياءِ مَثَلُ إبْرَاهِيمَ، حَيْثَ قَالَ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ الناس فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وَمَثَلُ عِيسَى، حَيْثُ قَال ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] وَمَثْلُكَ يا عُمَرُ من الملائكة مَثَلُ جِبْرِيلَ فَإنَّهُ يَنْزِلُ بِالعَذَابِ وَالشِّدَّةِ، وَمَثَلُكَ مِنَ الأنْبِيَاءِ مَثَلُ نُوْحٍ، حَيْثُ قَالَ :﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦] وَمَثَلُ مُوسَى، حَيْثُ قَالَ :﴿وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاّهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨] ». وروى سماك بن حرب، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال قيل للنبي ﷺ حين فرغ من بدر : عليك بالعير، فإنه ليس دونها شيء. فناداه العباس وهو أسير في وثاقه : إنه لا يصلح. فقال له النبي ﷺ :« لِمَ » ؟ قال : لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك.