البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، وأبو عمرو في رواية الأصمعي، والأعمش عن أبي بكر : مودة بالرفع، وبينكم بالنصب.
فالرفع على خبر إن، وما موصولة بمعنى الذي، أي إن الأوثان التي اتخذتموها مودوداً، أو سبب مودة، أو مصدرية، أي إن اتخاذكم أوثاناً مودة، أو على خبر مبتدأ محذوف، أي هي مودة بينكم، وما إذ ذاك مهيئة.
وروي عن عاصم : مودة، بالرفع من غير تنوين ؛ وبينكم بالفتح، أي بفتح النون، جعله مبنياً لإضافته إلى مبني، وهو موضع خفض بالإضافة، ولذلك سقط التنوين من مودة.
وقرأ أبو عمرو، والكسائي، وابن كثير : كذلك، إلا أنه خفض نون بينكم.
وقرأ ابن عامر، وعاصم : بنصب مودة منوناً ونصب بينكم ؛ وحمزة كذلك، إلا أنه أضاف مودة إلى بينكم وخفض، كما في قراءة من نصب مودّة مهيئة.
واتخذ، يحتمل أن يكون مما تعدت إلى اثنين، والثاني هو مودة، أي اتخذتم الأوثان بسبب المودة بينكم، على حذف المضاف، أو اتخذتموها مودّة بينكم، كقوله :﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله﴾ أو مما تعدت إلى واحد، وانتصب مودة على أنه مفعول له، أي ليتوادوا ويتواصلوا ويجتمعوا على عبادتها، كما يجتمع ناس على مذهب، فيقع التحاب بينهم.
وذكروا عن ابن مسعود قراءة شاذة تخالف سواد المصحف، مع أنه قد روي عنه ما في سواد المصحف بالنقل الصحيح المستفيض، فلذلك لم أذكر تلك القراءة.
﴿ثم يوم القيامة﴾ يقع بينكم التلاعن، أي فيلاعن العبدة والمعبودات الأصنام، كقوله : و ﴿يكونون عليهم ضداً﴾ و ﴿بينكم﴾ و ﴿في الحياة﴾ : يجوز تعليقهما بلفظ مودة وعمل في ظرفين لاختلافهما، إذ هما ظرفا مكان وزمان، ويجوز أن يتعلقا بمحذوفين، فيكونان في موضع الصفة، أي كائنة بينكم في الحياة في موضع الحال من الضمير المستكن في بينكم.
وأجاز أبو البقاء أن يتعلق ﴿في الحياة﴾ باتخذتم على جعل ما كافة ونصب مودة، لا على جعل ما موصولة بمعنى الذي، أو مصدرية ورفع موده، لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة بالخبر.
وأجاز قوم منهم ابن عطية أن يتعلق ﴿في الحياة﴾ بمودة، وأن يكون ﴿بينكم﴾ صفة لمودة، وهو لا يجوز، لأن المصدر إذا وصف قبل أخذ متعلقاته لا يعمل، وشبهتهم في هذا أنه يتسع في الظرف، بخلاف المفعول به.
وأجاز أبو البقاء أن يتعلق بنفس بينكم، قال : لأن معناه : اجتماعكم أو وصلكم.
وأجاز أيضاً أن يجعله حالاً من بينكم، قال : لتعرفه بالإضافة.
انتهى، وهما إعرابان لا يتعقلان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى