التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أشار - سبحانه - بعد ذلك إلى مصارع عاد وثمود فقال :﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾.
وعاد : هم قوم هود - عليه السلام - وكانوا يسكنون بالأحقاف فى جنوب الجزيرة العربية، بالقرب من حضر موت.
وثمود : هم قوم صالح - عليه السلام - وكانت مساكنهم بشمال الجزيرة العربية، وما زالت مساكنهم تعرف حتى الآن بقرى صالح.
أى : وأهلكنا عادا وثمود بسبب كفرهم وعنادهم، كما أهلكنا غيرهم، والحال أنه قد تبين لكم - يا أهل مكة - وظهر لكم بعض مساكنهم، وانتم تمرون عليهم فى رحلتى الشتاء والصيف.
فقوله - سبحانه - :﴿وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ المقصود منه غرس العبرة والعظة فى نفوس مشركى مكة، عن طريق المشاهدة لآثار المهلكين، فإن مما يحمل العقلاء على الاعتبار، مشاهدة آثار التمزيق والتدمير، بعد القوة والتمكين.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ السيئة. بسبب وسوسته وتسويله، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل﴾ الحق، وعن الطريق المستقيم.
﴿وَكَانُواْ﴾ أى : عادا وثمود ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أى : وكانت لهم عقول يستطيعون التمييز بها بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، ولكنهم لم يستعملوها فيما خلقت له، وإنما استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الغى على الرشد، فأخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر.
وقوله - تعالى - :﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ من الاستبصار بمعنى التمكن من تعقل الأمور. وإدراك خيرها من شرها، وحقها من باطلها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى