غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
وحين ذكر حال الكفرة من أهل الكتاب والمشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من أهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من عبادة الله فقال :﴿يا عبادي﴾ فإن كانت الإضافة للتشريف كقوله ﴿عيناً يشرب بها عباد الله﴾ [ الدهر : ٦ ] فقوله ﴿الذين آمنوا﴾ صفة موضحة. وإن كانت للتخصيص فهي صفة مميزة. ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له عبادة الله في بلد على وجه الإخلاص فليهاجر عنه إلى بلد يكون فيه أفرغ بالاً أو أرفع حالاً وأقل عوارض نفسانية وأكمل دواعي روحانية عن رسول الله ﷺ " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد " واعلم أني عند الوصول إلى تفسير هذه السورة عنَّ لي سفر من غير اختيار كلي فأقول متضرعاً إلى الله الكريم ومستمداً من إعجاز الفرقان العظيم : اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر مشوب بشيء من رضاك فإن كل الرضا لا يمكنني أن أراعيه فاجعله سبباً لنجح المقاصد وحصول المآرب والاشتمال على الفوائد الدنيوية والدينية والخلاص من شماتة الأعداء الدنية حتى أفرع لنشر العلوم الشرعية إنك على ما تشاء قدير وبالإسعاف والإجابة جدير. والفاء في قوله ﴿فإياي﴾ للدلالة على أنه جواب الشرط كأنه قال : إذا كان لا مانع من عبادتي ﴿فاعبدوني﴾ ثم أريد معنى الاختصاص والإخلاص فقدم المفعول على شريطة التفسير، وجيء بالفاء الثانية الدالة على ترتيب المقتضى على المقتضي كما يقال : هذا عالم فأكرموه كما مر في قوله ﴿وإياي فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠] فصار حاصل المعنى : إن لم تخلصوا العبادة لي في أرض فاخلصوها لي في غيرها. والفائدة في الأمر بالعبادة بعد قوله ﴿يا عبادي﴾ الدال على العبودية إما المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل، أو الإخلاص في العبادة. ويجوز أن يقال : العبودية غير العبادة، فكم من عبد لا يطيع سيده.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾ بالله لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلم اللدني ﴿إن في ذلك لآية للمؤمنين﴾ الذين ينظرون بنور الله فان النور لا يرى إلا بالنور ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة﴾ فيه أن التلاوة والعمل به يجب أن يتقارنا حتى يتخلق بخلق القرآن ويحصل الانتهاء عن الفحشاء وهي طلب الدنيا.
والمنكر وهو الالتفات إلى غير الله فإن لم تكن الصلاة متصفة بذلك فهي كالصلاة. ﴿ولذكر الله﴾ في إزالة مرض القلب ﴿أكبر﴾ من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، لأن القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، وعند الاطمئنان توجد سلامة القلب. فلا ذكر له خاصية الإكسير في جعل الإبريز ذهباً خالصاً. ﴿والله يعلم ما تصنعون﴾ من استعمال مفتاح الشريعة وآداب الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والوصول إلى الكنز الخفي ﴿ولا تجادلوا﴾ يا أرباب القلوب أهل العلم الظاهر إلا بطريق الإنصاف والرفق ﴿إلا الذين ظلموا﴾ بمزيد الإنكار والعناد فحينئذ لا تجادلوهم إذ لا يرجى منهم قبول الحق والإذعان له، فخلوا بينهم وبين باطلهم ﴿وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا﴾ من العلوم الباطنة ﴿وأنزل إليكم﴾ من العلوم الظاهرة ﴿وكذلك﴾ أي كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر ﴿أنزلنا عليكم﴾ الكشوف والمعارف ﴿فالذين آتيناهم الكتاب﴾ وهم أرباب القلوب يصدقون به، ﴿ومن هؤلاء﴾ العلماء الظاهريين من يؤمن به ﴿وما يجحد بآياتنا إلا الذين﴾ يشترون الحق بالباطل ﴿وما كنت تتلو﴾ وفيه أن القلب إذا كان خالياً عن النقوش الفاسدة كان أقبل للعلوم اللدنية كقلب النبي ﷺ، ولذلك قال ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ يعني أن قلوب الخواص خزائن الغيب. سأل موسى عليه السلام : إلهي أين أطلبك ؟ فقال : أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي. ثم أشار بقوله ﴿وما يجحد﴾ إلى أن الحرمان من الرؤية من خصوصية الرين ولهذا قالوا ﴿لولا أنزل عليه آية﴾ وذلك لعمى عيون قلوبهم. ثم أشار إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بأنه يستعجل بالعذاب مع عدم صبره عليه ﴿وإن جهنم﴾ الحرص وغيره من الأخلاق الذميمة ﴿لمحيطة﴾ بهم من فوقهم وهو الكبر والغضب ﴿ومن تحت أرجلهم﴾ وهو الحرص والشره والشهوة ﴿وهم لا يشعرون﴾ لأنهم نائمون فإذا ماتوا انتبهوا ﴿يا عبادي﴾ أن أرض حضرة جلالي ﴿واسعة﴾ فهاجروا بالخروج من حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ بالاضطرار فارجعوا إلينا بالاختيار ﴿لنبوئنكم﴾ من جنة الوصال غرفاً من المعارف ﴿تجري من تحتها﴾ أنهار الحكمة ﴿الذين صبروا﴾ في البداية على حبس النفس بالفطام عن المرام، وفي الوسط على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعبير، وفي النهاية صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح ﴿وكأين من دابة﴾ شخص كالدابة ﴿لا تحمل﴾ النظر عن ﴿رزقها﴾ لضعف نفسها عن التوكل ﴿الله يرزقها وإياكم﴾ أيها الطالبون للمشاهدات والمكاشفات ﴿ليقولن الله﴾ لأن كلهم قالوا في الأزل : بلى عند خطاب ﴿ألست بربكم﴾
[الأعراف: ١٧٢] والفرق إثبات الشريك ونفيه وذلك لعدم إصابة النور المرشش وإصابة دليله قوله ﴿الله يبسط الرزق﴾ بإصابته النور ﴿ويقدر﴾ بأخطائه ﴿إن الله عليم﴾ باستحقاق كل فريق من نزل من سماء الروحانية ماء الإيمان فأحيا به أرض القلوب ﴿لهي الحيوان﴾ لأن جميع أجزائها حي فقد ورد في الحديث " إن الجنة وما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنهار حتى ترابها وحصباؤها كلها حي " قلت : ولعل ذلك لبقاء كل منها على كماله الآخر. ثم بين بقوله ﴿فإذا ركبوا﴾ أن إخلاص المؤمن بثابت وإخلاص الكافر مضطرب ثم بين أن حرم القلب آمن وما حوله من صفات النفس ومشاهدة ربها مظنة تصرف الشيطان، فمن افترى على الله بأن لا يكون له مع الله وقت وحال ويظهر ذلك من نفسه، أو كذب طريقة أهل الحق جاهدوا فينا يخرج منه مجاهدة الرهبانيين والفلاسفة والبراهمة ونحوهم لأنهم مرتاضون رياء وكسلاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى