البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
﴿الله يَبسُطُ الرِزْقَ لمن يشاءُ من عباده﴾ هاجر أو أقام في بلده، ﴿ويقدرُ له﴾ ؛ ويضيق عليه، أقام أو هاجر، فالضمير في ﴿له﴾ لمن يشاء ؛ لأنه مبهم غير معين، ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ ؛ يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم، فمنهم من يصلحه الفقر، ومنهم من يُفسده، ففي الحديث القدسي :" إن من عبادي من لا يُصلح إيمانه إلى الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك(١) ". ذكره النسفي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الرزق مضمون بيد من أَمْرِ بين الكاف والنون، لا يزيد بحرص قوي، ولا ينقص بعجز ضعيف، بل قد ينعكس الأمر، كما الشاعر :
كَمْ قَوِيٍّ قَوِيٍّ في تقلبهترى عَنْهُ أَمْرَ الرَّزْقِ يَنْحَرفُ
وكم ضعيفٍ ضعيفٍ في تصرفهكأنه من خليجِ البحرِ يَغْتَرِفُ
وقد يبسطه الله لأهل الغفلة والبُعد، ويقدره لأهل الولاية والقُرب، كما قال القائل :
اللهَ يَرْزُق قَوْماً لاَ خَلاَقَ لَهُمْمِثْلَ الْبَهَائِمِ في خَلْقِ التَّصَاوِيرِ
لَوْ كَانَ عَنْ قُوَّةٍ أَوْ عَنْ مُغَالَبَةٍطَارَ البُزَاةُ بِأرْزَاقِ الْعَصَافِيرِ
وقال عليه الصلاة والسلام - في بعض خطبه - :" أيها الناس، إن الرزق مقسوم، لن يعدو امْرُؤٌ ما كُتِبَ له، فاتقوا الله، وأَجْمِلُوا في الطَلَبِ. وإن الأمر محدود، لن يجاوز أحد ما قُدر له، فبادروا قبل نفوذ الأجل، وإن الأعمال محصاة، لن يُهْمَلَ منها صغيرةٌ ولا كبيرةٌ، فأكثروا من صالح الأعمال... " الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم :" لو توكلتمْ على الله حقَّ توكلِهِ، لرَزقتم كما تُرزق الطير ؛ تغدو خِمَاصاً وتروح بِطَانا(١) ".


١ أخرجه الديلمي في مسند الفردوس حديث ٨٠٩٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى