البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم ذكرهم بما أنعم عليهم، ليشكروا، فقال :
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ * ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾
يقول الحق جل جلاله :﴿أَوَلَمْ يَرَوا﴾ أي : أهل مكة ﴿أنا جعلنا﴾ بلدهم ﴿حَرَماً﴾ أي : ممنوعاً مصوناً من الهبب، ﴿آمِنا﴾ ؛ يأمن كل من دخله، أو آمناً أهله من القتل والسبي، ﴿ويُتَخَطّفُ الناس من حولهم﴾ أي : يخطف بعضهم بعضاً، قتلاً وسبياً، إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب، ﴿أفبالباطل يؤمنون﴾ ؛ أبعد هذه النعمة العظمى يُؤمنون بالأصنام ويعبدونها، أو : الشيطان، ﴿وبنعمة الله يكفرون﴾ ؛ حيث أشركوا به غيْرَهُ، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ إذ هو النعمة المهداة، أو : الإسلام. وتقديم المعمولين ؛ للاهتمام، أو للاختصاص.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الحرم الآمن، في هذه الدار، هو التبتل والانقطاع عن الدنيا وأبنائها، والتجريد من أسبابها، فمن دخله أَمِنَ ظاهراً وباطناً، ومن هجرها، وترك الناس حوله يتخطفون ويتهارجون عليها، وهو يتفرج عليهم، فالدنيا جيفة والناس كلابها، فإن خالطتهم ناهشوك، وإن تركت لهم جيفتهم سَلِمتَ منهم، فمن كذّب بهذا فقد كذَّب بالحق وآمن بالباطل، فلا أحد أظلم منه. وبالله التوفيق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى