غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
الوقوف :﴿الم﴾ كوفي. ﴿لا يفتنون﴾ ٥ ﴿الكاذبين﴾ ٥ ﴿يسبقونا﴾ ط ﴿يحكمون﴾ ٥ج ﴿لآت﴾ ط ﴿العليم﴾ ٥ ﴿لنفسه﴾ ط ﴿العالمين﴾ ٥ ﴿يعملون﴾ ٥ ﴿حسناً﴾ ط ﴿فلا تطعهما﴾ ط ﴿تعملون﴾ ٥ ﴿الصالحين﴾ ٥ ﴿كعذاب الله﴾ ط ﴿معكم﴾ ط ﴿العالمين﴾ ٥ ﴿المنافقين﴾ ٥ ﴿خطاياكم﴾ ط ﴿شيء﴾ ط ﴿لكاذبون﴾ ٥ ﴿مع أثقالهم﴾ ط فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين. ﴿يفترون﴾ ٥ ﴿عاماً﴾ ط لحق الحذف أي فلم يؤمنوا فأخذهم ﴿الطوفان﴾ ط ﴿ظالمون﴾ ٥ ﴿للعالمين﴾ ٥.
﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية وقد مر مراراً أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بجميع ما قال الله تعالى وقال رسول الله ﷺ تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يعلم، والعمل الصالح هو الذي ندب الله ورسوله إليه، والفاسد ما نهى الله ورسوله ﷺ عنه. وعند المعتزلة الأمر والنهي مترتب على الحسن والقبح. ثم العمل الصالح باق لأنه في مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف. يقال : فسد الزرع إذا خرج عن حد الانتفاع. ولكن العمل عرض لا يبقى بنفسه ولا بالعامل لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فبقاؤه إنما يتصور إذا كان لوجه الله. ومنه يعلم أن النية شرط في الأعمال الصالحة وهي كونها لله تعالى. وخالف زفر في نية الصوم وأبو حنيفة في نية الوضوء، وقد مر. ثم إنه تعالى ذكر في مقابلة الإيمان والعمل الصالح أمرين : تكفير السيئات والجزاء بالأحسن. فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، ومنه يعلم أن الإيمان يقتضي عدم الخلود في النار لأن الذي كفر سيئاته يدخل الجنة لا محالة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية عند من يقول بها. وههنا بحث وهو أن قوله ﴿لنكفرن﴾ يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، فالمراد بالذين آمنوا وعملوا إما قوم مسلمون مذنبون، وإما قوم مشركون آمنوا فحط الإيمان ما قبله. أو يقال إن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، نظيره قول الملك لقوم : إذا أطعتموني أكرم آباءكم وأحترم أبناءكم. وهذا لا يقتضي أن يكرم آباء من توفي أبوه ويحترم ابن من لم يولد له ابن، ولكن مفهومه أنه يكرم آباء من له أب ويحترم ابن من له ابن. أو يقال : ما من مكلف إلا وله سيئة حتى الأنبياء، فإن ترك الأولى بالنسبة إليهم سيئة بل حسنات الأبرار سيئات المقربين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بألطاف الربوبية يؤكده قوله ﴿أحسب الناس﴾ أي الناسون من أهل البطالة ﴿أن يتركوا﴾ بمجرد الدعوى ولا يطالبون بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه. فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال : إنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك ﴿أم حسب الذين﴾ فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا ﴿أن يسبقونا﴾ بالعدوان عن طريق سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام. ﴿ساء ما يحكمون﴾ بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات. ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾ فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظرإلى جمالنا ﴿وهو السميع﴾ لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين. ومن جاهد بالسعي في طلبنا فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات الحميدة تخلص عن الأمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة ﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا ﴿وعملوا الصالحات﴾ ببذل الوجود في طلب جودنا ﴿لنكفرن عنهم﴾ سيئات وجودهم المجازي ﴿ولنجزينهم﴾ وجوداً حقيقياً أحسن منه ﴿وإن جاهداك لتشرك بي﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم الأشباح كما قال عيسى عليه السلام : لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين. فهو أحق برعاية الحقوق منهما. ﴿جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾ فيه أن المؤمن من كف الأذى والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح. والمنافق إذا لم يكن في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله. ﴿وقال الذين كفروا﴾ فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب والسر والروح وصفاتهم ﴿اتبعوا سبيلنا﴾ في طلب الشهوات الحيوانية ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها ﴿وما هم بحاملين﴾ شيئاً ﴿من خطاياهم﴾ وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله أعلم بالصواب.
﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية وقد مر مراراً أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بجميع ما قال الله تعالى وقال رسول الله ﷺ تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يعلم، والعمل الصالح هو الذي ندب الله ورسوله إليه، والفاسد ما نهى الله ورسوله ﷺ عنه. وعند المعتزلة الأمر والنهي مترتب على الحسن والقبح. ثم العمل الصالح باق لأنه في مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف. يقال : فسد الزرع إذا خرج عن حد الانتفاع. ولكن العمل عرض لا يبقى بنفسه ولا بالعامل لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فبقاؤه إنما يتصور إذا كان لوجه الله. ومنه يعلم أن النية شرط في الأعمال الصالحة وهي كونها لله تعالى. وخالف زفر في نية الصوم وأبو حنيفة في نية الوضوء، وقد مر. ثم إنه تعالى ذكر في مقابلة الإيمان والعمل الصالح أمرين : تكفير السيئات والجزاء بالأحسن. فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، ومنه يعلم أن الإيمان يقتضي عدم الخلود في النار لأن الذي كفر سيئاته يدخل الجنة لا محالة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية عند من يقول بها. وههنا بحث وهو أن قوله ﴿لنكفرن﴾ يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، فالمراد بالذين آمنوا وعملوا إما قوم مسلمون مذنبون، وإما قوم مشركون آمنوا فحط الإيمان ما قبله. أو يقال إن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، نظيره قول الملك لقوم : إذا أطعتموني أكرم آباءكم وأحترم أبناءكم. وهذا لا يقتضي أن يكرم آباء من توفي أبوه ويحترم ابن من لم يولد له ابن، ولكن مفهومه أنه يكرم آباء من له أب ويحترم ابن من له ابن. أو يقال : ما من مكلف إلا وله سيئة حتى الأنبياء، فإن ترك الأولى بالنسبة إليهم سيئة بل حسنات الأبرار سيئات المقربين.