التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - أن طاعة الله - تعالى - يجب أن تقدم على كل طاعة. فقال :﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ.. فِي الصالحين﴾.
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى روايات منها ما أخرجه الترمذى، من أنها نزلت فى سعد بن أبى وقاص، وذلك أنه حين أسلم، قالت له أمه حمنة بنت سفيان : يا سعد بلغنى أنك صبأت، فوالله لا يظلنى سقف بيت، وإن الطعام والشراب على حرام، حتى تكفر بمحمد ﷺ.... فجاء سعد إلى النبى ﷺ - إليه ما قالته أمه.
فنزلت هذه الآية.. فجاء سعد إليها فقال لها : يا اماه لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا ما تركت دينى، فكلى إن شئت، وإن شئت فلا تأكلى، فلما يست منه أكلت وشربت..
وقوله :﴿حُسْناً﴾ منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف. أى : ووصينا الإِنسان بوالديه إيصاء حسنا، وعبر بالمصدر للمبالغة فى وجوب الإِحسان إليهما، بأن يكون باراً بهما، وعطوفاً عليهما، وسخياً معهما.
وقوله - سبحانه - :﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾ معطوف على ما قبله بإضمار القول : أى : ووصينا الإِنسان بوالديه حسنا، قولنا له ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾ أى : إن حملاك وأمراك ﴿لِتُشْرِكَ بِي﴾ فى العبادة أو الطاعة ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ﴾ فى ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.
وقوله - سبحانه - :﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بيان للواقع، فهذا القيد لا مفهوم له، لأنه ليس هناك من إله فى هذا الكون، سوى الله عز وجل.
وقوله تعالى :﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تذييل المقصد به التحذير من معصيته - سبحانه -.
أى : إلى مرجعكم جميعا - أيها الناس - يوم القيامة، فأحاسبكم على أعمالكم حسابا دقيقا، وأجازى الذين أساءوا بما علموا، وأجازى الذين أحسنوا بالحسنى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى